في صبيحة يوم الثلاثاء 4 ربيع الآخر 1443 بلغنا خبر وفاة الفاضل العم تركي عبدالله الحابوط عليه رحمة الله، هذا الرجل الذي ترك أثرا طيبا عند كل من عاشره وعرفه، فهو سمح الطباع، كريم السجايا، خلوق ذو ابتسامة لا تفارق محياه، تلقى البشر في وجهه دائما، يحبه كل من عرفه، ذو ديانة وحرص على نشر الخير و هداية الناس، متدين بفطرته من غير تكلف ولا نزكي على الله أحدا.
كان لي معه مجالس كثيرة وحوارات عديدة، كنت أفرح بلقياه، وأسعد بمحاورته، وأحفظ عنه كثيرا من المواقف، شيء سمعته منه، وشيء سمعته عنه، ولا زلت أتذكره في كل ختمة للقرآن وأدعو له، وذلك لموقف تعليمي منه رحمه الله، وهو أنه ذات يوم كان في زيارة لأبي، وكنت وقتها صغير السن، فكان الحديث عن القرآن الكريم، فنصحني بحفظه وأن الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر، وقال لي: سأدلك على ثلاثة مواضع في القرآن الكريم كثيرا ما يخطئ فيها عامة الناس، فقال لي: "يا ولدي أعطني المصحف" فأتيته به ؛ فكان أحد المواضع في سورة يونس عند قوله تعالى: ﴿قُل هَل مِن شُرَكائِكُم مَن يَهدي إِلَى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهدي لِلحَقِّ أَفَمَن يَهدي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدّي إِلّا أَن يُهدى فَما لَكُم كَيفَ تَحكُمونَ﴾ حيث شدِّدت الدال مع كسرها في قوله تعالى (يهدِّي) ومن ذلك الحين كل ما مررت على هذه الآية تذكرته - عليه رحمات الله- ودعوت له.
وأذكر ذات مرة أنه ذكر لي قصة عجيبة حصلت معه وهي أنه كان في دورة تدريبية تخص عمله في دولة غربية، وكان فرز الغرف التي يقطنونها أثناء الدورة التدريبية هي أن كل غرفتين بينهما حمام مشترك، فمن دخل الحمام أغلق الباب الآخر الذي يفتح على الغرفة الأخرى و إذا انتهى فتح الباب الآخر وأغلق بابه ويبدو أن هذا أمر طبيعي في الدورات العسكرية آنذاك!
الشاهد من هذا أنه كان يقول لي: إنّ جاره الغربي يزعجه بصوت الموسيقى الصاخبة طوال الليل ويشوش عليه قراءة القرآن. يقول : ترددت في الطلب منه أن يخفض صوت الموسيقى ولكني عزمت أخيرا على تركه، ثم فجأة، افتقدت صوت الموسيقى الصاخبة آخر ليلتين وفي صبيحة اليوم الذي سنرجع فيه إلى الكويت فتحت باب الحمام فاذا الرجل نائم عند باب الحمام فلما رآني قام فزعا فهدّأت من روعه وأجلسته عندي في الغرفة وسألته عن سبب مبيته في دورة المياه، يقول: فقال لي الرجل: إنّه كثير الأرق وإنه لا ينام بسهولة وإنه يلجأ إلى تشغيل الموسيقى الصاخبة ويرقص عليها كل ليلة حتى يسقط من شدة التعب وينام و قبل ليلتين يقول: دخلت إلى دورة المياه وسمعتك تتكلم بكلام ارتاح له قلبي فجلست أستمع إليه حتى غشاني النوم ولمّا استيقظت فرحت بذلك فرحا عظيما حيث إني نمت بشكل طبيعي، وكررتها البارحة فكذلك شعرت بالسكينة، وها أنا بين يديك أعتذر إن كنت قد سببت لك إزعاجا وقال لي: أبو بدر : إني قلت له (على ضعفٍ في اللغة الانجليزية واستعنت بالاشارة كثيرا): إن هذا الكلام الذي سمعته هو كلام الله سبحانه وتعالى وإنه هو القرآن الكريم، فطلب مني أن أعلّمه إياه، فاعتذرت منه اعتذارا شديدا وأبلغته أني مغادر اليوم إلى الكويت، ولكني قلت له: ابحث عن مركز إسلامي قريب منك فستحصل على نسخة من القرآن الكريم، ودعوت الله تعالى أن يهديه إلى الاسلام؛ حيث لمست منه رغبة في ذلك بعد حديثي معه.
وثمّة موقف ثالث أختم به - وهو يدل على نخوته ومروءته- يحكي لي أحد معارف أبي بدر يقول: كنت يوما أسير في شوارع الرياض، ورأيت نساءً يتنازعن جلب الماء، وكان هذا الحدث قبل أكثر من 60 عاما؛ حيث كان في بعض حواري الرياض يكون جلب الماء بالقدور والدلاء - كما أخبرني الناقل- ، ويقول: لاحظت بين النساء امرأة قد اجتمع عليها بعض النسوة وأخذنا دورها في الحصول على الماء وأخرجنها من الصف وهي تدافع محاولة أن لا يغلبنها غير أن كثرتهن غلبت شجاعتها، فإذا بأبي بدر - وهو شاب صغير السن آنذاك - يأخذ الدلو من هذه المرأة ويقفز بكل عزم إلى مصدر الماء صائحا بالنساء أن يبتعدن فتفرقن من حوله فملأ دلوها وأعطاها ذلك الدلو فذهبتْ وهي تدعو له. وها نحن كذلك ندعو له في آخر مقالتنا وقد ذكرنا بعض مواقفه من سيرته الطيبة سائلين الله تعالى أن يغفر ذنبه ويتغمده برحمته وأن يسكنه فسيح جناته.
كتبه تركي عيسى المطيري
١٤ من ربيع الآخر ١٤٤٣






