الجمعة، 20 نوفمبر 2020
الاثنين، 16 نوفمبر 2020
بذل الساعي في جمع روايات حديث كلام الذئب للراعي وما فيه من فوائد
الحمد لله رب العالمين المنزل في كتابه الكريم ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت :53] والصلاة والسلام على الرسول الكريم ﷺ المؤيد بالآيات الكبار والمعجزات العظام .
أما بعد..
فهذه ورقة جمعت فيها الروايات الواردة في كلام الذئب لراعٍ يهودي ، وكان ذلك سببا في اسلامه . وقد انتهجت في جمعها أن أجعل رواية البخاري رحمه الله هي الأصل على قِصرها ثم أُضيف لها باقي الروايات ؛ حيث أَصُفّ الروايات التي صحَّت في نسق واحد حتى تعطي معنىً متكاملاً لهذه الواقعة العجيبة والآية العظيمة ، ويتكون لدينا تصور كامل لذلك الحدث .
وقد اشترطت على نفسي أن لا أنقل نصاًّ إلا وهناك من صححه من أهل العلم الأثبات ، وأثبت لكل رواية من صحَّحها في هامش الورقة مكتفياً بالمرجع الذي ذُكر فيه تصحيح الرواية ، حيث بُسِط فيه تخريج الرواية من كتب السنن والمسانيد .
وقد ذكرت بعد الجمع بعض الفوائد المهمة في هذا الحديث ، وأسأل الله تعالى القبول وأن يغفر لي ما أخطأت فيه والله المستعان .
رواة الحديث :
-أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه .
- أبو هُرَيْرَة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه
نص الحديث برواياته :
[ بينَما راعٍ في غنَمِهِ (يرعى بالحرة)٢ عَدَا الذئْبُ فأخَذَ مِنْهَا شاةً ، فطَلَبَها حتَّى اسْتَنْقَذَهَا(وَهَجْهَجَه فعانده الذئبُ يمشي)٥ (فصعد الذئب على تلٍّ فأقعى واستثفر)١ (بذنَبِه)٥،فالْتَفَتَ إليهِ الذِّئْبُ ، فقالَ لَهُ : (يا راعي)٦ (ألا تتقي الله)٢ (عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته ، ثم انتزعته مني ؟ !)١ مَنْ لَهَا يومَ السبُعِ ، ليسَ لها راعٍ غَيْرِي (فقال الرجل : تالله إن رأيت كاليوم! (العجب من ذئب مقع على ذنبه يتكلم بكلام الإنس)٢ ذئب يتكلم ! فقال الذئب : (واللهَ إنك لتتركُ أعجبَ من ذلك)٦أعجب من هذا : (محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيثربَ)٣ رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى ، وما هو كائن بعدكم ، قال – الراوي - : وكان الرجل يهوديا ( فأقبل الراعي يسوقُ غنمَه حتى دخل المدينةَ فزواها إلى زاويةٍ من زواياها)٤ فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم (حتى ضرب عليه بابَه فلما صلّى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال : أين الأعرابيُّ صاحبُ الغنمِ ؟ فقام الأعرابيُّ)٥ (فأخبره)١ ( فأمر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنودي الصلاةُ جامعةٌ ثم خرج فقال للراعي أَخْبِرْهم )٣ (بما سمعت وبما رأيتَ فحدَّث الأعرابيُّ الناسَ بما رأى من الذِّئبِ وما سمع منه)٥ فقالَ الناسُ : سبحانَ اللهِ ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (صدق الراعي ألا إنه من أشراط الساعة كلام ( الكلابُ )٦ السباع للإنس والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس)٢ فإِنِّي أُؤْمِنُ بِهِ وأبو بكرٍ وعمرُ . وما ثَمَّ أبو بكرٍ وعمرُ (وأسلم -أي اليهودي-)١ (ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم إنها أمارت بين يدي الساعة ، فقد أوشك الرجل أن يخرج ، فلا يرجع حتى )١ (يكلم الرجل شراك نعله ، وعذبة سوطه ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده)٢
١-الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: تخريج مشكاة المصابيح - الصفحة أو الرقم: 5870
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح
٢-الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: البيهقي- المصدر: دلائل النبوة - الصفحة أو الرقم: 6/41
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح،[وله شاهد من وجه آخر]
٣-الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: ابن كثير -المصدر: البداية والنهاية - الصفحة أو الرقم: 6/150
خلاصة حكم المحدث: إسناده على شرط الصحيح.
٤-الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 1/241
خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح رجاله ثقات.
٥-الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: ابن كثير- المصدر: البداية والنهاية - الصفحة أو الرقم: 6/151
خلاصة حكم المحدث: على شرط أهل السنن.
٦-الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: الوادعي - المصدر: الصحيح المسند - الصفحة أو الرقم: 412 خلاصة حكم المحدث: صحيح.
غريب الحديث
هجهجه ؛ زجره وصاح عليه
أقعى : جلس على إسته مفترشا رجليه وناصبا يديه
استثفر : أي أدخل ذيله بين رجليه
عذبة سوطه : طرف السوط
فوائد الحديث برواياته :
-ان هذه العجماوات لها مستوى جيد من الفهم والإدراك الفطري بحيث تهتدي لما ينفعها لبقائها وتكاثرها ولا يبعد أنها تعرف بعض ما يدور حولها من حوادث لبني آدم كما هو ملموس من سلوكها في كثير من الأحيان ، وما ينقل لنا ملاك ورعاة الإبل على وجه الخصوص من سلوكيات يدل على ما ذكرنا .
-أن هذه الحيوانات ليس بليدة الإحساس بل لها مشاعر تعبر عنها بطريقتها الخاصة ولو لم تتكلم ، كما هو واضح من الاستثقال في المشي ثم الاقعاء و الاستثفار.
- إن معجزة النبي ﷺ الكبرى هي القرآن الكريم وهي التي تحدى بها الناس لكن الله سبحانه أيده بكثير من المعجزات منها ما جرى على يديه مباشرة كنبع الماء من بين أصابعه ومنها ما أيده بها من غير علمه كقصة هذا الذئب .
-في الحقيقة لا أعلم هل هذه العجماوات تعرف أحوال الرسول ﷺ وتعرف بعض أحوال آخر الزمان أم أنه كلام أجراه الله على لسان الذئب ، ومما يحسن نقله هنا -في تأييد الله سبحانه لنبيه ﷺ -قول الإمام ابن حجر رحمه آلله (وَفِي الْحَدِيث -حنين الجذع - دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْجَمَادَات قَدْ يَخْلُق اللَّه لَهَا إِدْرَاكًا كَالْحَيَوَانِ بَلْ كَأَشْرَف الْحَيَوَان ) الفتح ٦/٦٣٦ فإن كان هذا في الجمادات كالجذع الذي حن للنبي ﷺ فمن باب أولى أن نقول ذلك لمثل هذا الذئب الذي جعل له فهما يدرك من خلاله أمورا لم يفهمها أو ينتبه لها بعض البشر .
- وفي الحديث منقبة لهذا اليهودي الذي أسلم في بيان صدقه وحسن تصرفه ، حيث ذهب الى الرسول ﷺ وأخبره بخبر الذئب ، ولم يفعل كما فعل غيره من اليهود الذين بان لهم صدق الرسول ﷺ فكتموا ذلك.
-في قول النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي (أخبرهم) قطع الطريق على خصوم الاسلام من المنافقين والمشركين ، بأن النبي يأتي بما لا يصدقه الواقع ، فيستغلون ذلك في إثارة البلبلة كما فعلوا في غزوة الأحزاب ، عندما بشّرهم النبي صلى الله عليه وسلم بفتح فارس والروم واليمن فقالوا (يخبركم أنه يبصر من يثربَ قصورَ الحَيرةِ ومدائنَ كسرى وإنها تُفتح لكم وأنتم تحفرون الخندقَ لا تستطيعون أن تبرُزوا) ، أما هنا فباخبار اليهودي للعامة ففيه تقوية لإيمان المسلم منهم والجام لكل منافق بأن الخبر جاء من غير النبي صلى الله عليه وسلم بل ومن ليس على دينه ، وهذه فائدة لكل داعية بأن يكون فطنا بتعدد اسلوب دعوته .
- لا شك أن في قول الرسول ﷺ (أخبرهم) كونه شاهد لعين الحادثة ، لكن مع التمعن نجد أن فيها تكريم لذلك اليهودي بأن يخطب في المسلمين ، وبمعنى آخر -إن صح التعبير- (إعطاء اليهودي قيمة أمام الجمهور) وتدعيمه بتوثيق كلامه من الرسول ﷺ لما شاهده من عجيب أمر الذئب ، مما يزيد في قناعته بالإسلام في نفس المقام ، وبهذا نتعلم اسلوب جديد في الدعوة من النبي ﷺ .
-ينبغي على الداعية أن لا يفوت الفرص في الدعوة الى الله خصوصا عندما يرى من الناس أن قلوبها قد لانت وتوجهت لباريها إما لآية رأتها أو لأمر آخر أثر فيها .
-عظم مكانة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الإسلام وعند الرسول ﷺ حيث شهد الرسول ﷺ على إيمانهما وتصديقهما لهذا الأمر العجيب وهما لم يسمعا به أصلا ولم يحضرا هذا الجمع .
- ذكر الرسول ﷺ أربع آيات تدل على قرب قيام الساعة في هذا الحديث ولمناسبة المقام بنطق ما يستحيل كلامه ، أضاف النبي ﷺ نطق الجمادات والتي ستحدث في اخر الزمان والأربع هي :
١- كلام السباع للناس .
٢-كلام شراك النعل لصاحبه .
٣-كلام عذبة السوط لحامله .
٤-إخبار فخذ الرجل الرجل بما خفي عليه من أخبار أهله ، وهنا قال (يخبر) ولم يقل يتكلم والإخبار يحتمل عدة معاني منها الكلام الصريح والله أعلم .
وحسب علمنا أنه لم يحدث منها شيء إلى الان ومن تكلم من العلماء بأنها حدثت لم تخلوا تقريراتهم من مبالغات وتكلف في اثبات ذلك.
-- في الحديث علامة ذكرها الذئب وأقرها رسول الله ﷺ وهي أنه سيأتي يوم تهمل فيه هذه الأنعام حتى تصبح فريسة سهلة للسباع وقد اختلف العلماء في مقصود قوله (يوم السبع) فذهب البعض إلى أن المقصود هو يوم القيامة وهذا بعيد لأن يوم القيامة لا يصلح ان يصف الذئب بني جنسه بأنهم رعاة للغنم ، وذهب البعض الآخر الى أن المراد من لها عند الفتن حين يتركها الناس هملا لا راعي لها فتكون نهبة للذئاب والسباع، فجعل السبع لها راعيا إذ هو منفرد بها، وهذا إنذار بما سيكون من الشدائد والفتن التي يهمل الناس فيها شياههم فيتمكن منها السباع بلا مانع.
- ومن الفوائد المهم ذكرها، أن هذا الأشراط وغيرها والتي ذكرت في مئات الأحاديث من دلائل نبوته المتجددة في كل عصر ، حيث لا يأتي جيل إلا ويجد ما قاله النبي ﷺ يتحقق أمامه ، فتكون هذه الأشراط والآيات من المثبتات للمسلمين في أزمنة الفتن .
- ذكر بعض المؤرخين والنسابة كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله في تهذيب التهذيب أن اسم الرجل أُهبان بن عمرو بن الأكوع وقيل أُهبان بن عياذ الخزاعي (ولعله ممن تهود في الجاهلية من العرب).
- لطيفة ذكرها الإمام الماوردي في كتابه [أعلام النبوة] حيث يقول عن الرجل الذي كلمه الذئب : وبقي لعقبه شرف يفخرون به على العرب ويقول مفتخرهم (أنا ابن مكَلِّم الذئب).
- ذكر بعض المؤرخين أن ابنه اسمه عقبه استعمله عمر رضي الله عنه على الصدقات .
- وقد أنشد فيه ابن الكلبيّ لبعض الشعراء:
إلى ابن مكلّم الذّئب ابن أوس ... رحلت على عذافرة أموز .
هذا والله تعالى أعلم وأحكم وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
تركي عيسى المطيري
٨شعبان ١٤٤١
١-٤ -٢٠٢٠

