الأربعاء، 4 سبتمبر 2019

الشيخ عبدالرحمن بن سعدي أنموذج سلفي فريد ...



الحديث عن السلفية ذو شجون لتنوع وكثرة التيارات التي تنتسب إليها، فتارة ترمى السلفية بالتشدد لانتساب بعض التيارات المتطرفة إليها ، وتارة ترمى بتمييع الدين كونها لا تلتزم بالمذاهب الأربعة - زعموا – وأنها فتحت باب الاجتهاد على مصراعيه لكل من هب ودب ! ...الخ

وعلى كل الحجر لا يرمى به إلا باسق النخل ، ولا تحاكم جماعة بأخطاء بعض من ينتسب إليها إنما تحاكم بأصولها التي ترجع إليها ، ومدى التطابق مع انشطتها واعمالها التي تقوم بها .

وليس لأجل ذلك كتبت هذه المقالة في الحقيقة ، إنما أردت الإشارة إلى بعض الأخطاء التي يرتكبها بعض الدعاة من الشدة والغلظة في الدعوة والتعدي في إطلاق الأحكام  على الآخرين.

وفي رأيي أن هذه الفئة قلة بالنسبة للتيار العام المعتدل لكن للأسف استخدمهم خصوم الدعوة نماذج للقدح فيها.

فأردت أن أذكر أنموذجا سلفيا فريدا معاصرا لأضرب مثلا بأن الفكر السلفي ليس فكرا مثاليا غير قابل للتطبيق بل هو فكر واقعي يستمد قوته من أصوله المتينة.

الشيخ عبد الرحمن بن سعدي عالم سلفي برز في إقليم القصيم من مدينة تسمى عنيزة والتي تعد في العمق الجغرافي للدعوة السلفية .

كان هذا العالم أنموذجا يحتذى ورمزا يضرب به المثل عند الكلام عن ثمار الدعوة السلفية المعاصرة.

فكم من عالم نراه اليوم سطرت قبل اسمه الكثير من الألقاب والتي تصف علو كعبه في العلم وسعة فهمه وما أن تعاشره وتقرأ له او تطّلع على أبحاثه الا وجدته دون ما وصف .

فأما بن سعدي رحمه الله تعالى فشيئا آخر ، ولعل ما وصف به من علم وفهم وتواضع هو فوق ذلك ، وقد ذهلت لما قرأت كتاب ( مواقف اجتماعية من حياة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ) مما جعلني أواصل في قراءته حتى أتممته في أقل من أربعة وعشرين ساعة .

 وكان من شدة إعجابي بهذا الكتاب أني تمنيت  أن يوزع على كل شاب مبتدئ في تدينه مرورا بطلبة العلم وانتهاء بكل عالم
 ، ليطّلع ويعايش هذا العالم الفذ حياته اليومية ، والذي ضرب أروع الأمثلة في الاعتدال والاتزان في كيفية تطبيق النصوص الشرعية ، لأنني على يقين أن هذا الكتاب – والذي غالبه قصص من حياة الشيخ  - سيكون شرارة تغيير لدى الكثير على بساطته وسلاسته وعاميته في بعض الأحيان ، لأن معايشة الواقع والنظر في الصور الحياتية للعالم أبلغ في التأثير من التنظير العلمي والإملاء الفكري لأنها ترجمان لقناعاته وتطبيق عملي لتلك المعاني الغائرة في أعماقه  .

فالشيخ رحمه الله تعالى استطاع أن يوازن بين تعامله مع المجتمع المحيط به والذي لا يخلو من المجاهرة بالمعاصي في بعض الأحيان ، وبين تطبيق النصوص الشرعية ، فالمتتبع لحياة الشيخ –  سواء في هذا الكتاب أو غيره – يعلم ان ابن سعدي رحمه الله بعيد كل البعد عن أسلوب التشدد والتنفير كما أنه ليس - في نفس الوقت - مميعا ولا مضيعا  للأحكام الشرعية .

وسآخذ ثلاثة أمثلة فقط من حياته رحمه الله تعالى تاركا لكم حرية البحث عن مواقفه وسيرته العطرة الكريمة.


المثال الأول:
كان في السابق في مدينة عنيزة وكما هو الواقع في أرجاء المعمورة آنذاك أن لا غنى لأي بيت عن الحطب وهو يقوم مقام أجهزة الطبخ والتدفئة ، فكان يأتي بائع الحطب ويستأذن بالدخول فتدخل المحارم داخل الغرف ليتمكن البائع من إنزال الحطب في باحة المنزل ، وما يهمنا أنه بعد أن أنزل البائع الحطب في بيت الشيخ وانصرف تعقبه الشيخ لينظر إلى الحطب فإذا به يجد صندوقا صغيرا سقط من البائع ، فعلم من رائحته أن فيه دخان ( التتن )، فلحق الشيخ بالبائع ومعه الصندوق  فلما أعطاه صندوقه قال له البائع : يا شيخنا هل تعلم ما فيه ؟ فقال الشيخ : نعم . فقال البائع : ولم رددته لي ؟ قال الشيخ : لأني أعلم أنه من العسير عليك ترك الدخان وستقوم بشراء غيره وسيكون ذلك على حساب أهل بيتك فرحمة بصغارك أرجعته لك  وأسأل الله تعالى أن يتوب عليك ، فبكى ذلك الرجل وحطم الصندوق وعاهد الشيخ على أن لا يرجع إليه أبدا ، هذا مع العلم أن للشيخ  مؤلفا في حرمة التدخين في ذلك الوقت .

أقول كان بإمكان الشيخ أن يشهر به كما كان بإمكان الشيخ على أقل تقدير أن يقوم بتحطيم ذلك الصندوق بدعوى أنه منكر وأنه سيستر عليه في هذه المرة على أن لا يعود إليه ثانية وله في ذلك مبرر شرعي ، غير أن الشيخ رحمه الله تعالى كان فقيها واعيا وداعية ناصحا يعلم أن هناك فرقا بين تقرير الحكم الفقهي وبين أساليب تطبيقه فعليه رحمة الله تعالى .

المثال الثاني:
مر الشيخ على رجال يغنون وهم يبنون حائطا ، فلما انتبهوا لوجود الشيخ سكتوا ،فقال لهم الشيخ ضاحكا : مالكم سكتم إن الغناء يعينكم على العمل ويبث النشاط في نفوسكم فنظر بعضهم لبعض حيث توقعوا خلاف ذلك من الشيخ ، لكن الشيخ رحمه الله تعالى لم يطلب لنفسه الوقار المبالغ به أو إضفاء قدسية على ذاته إنما القدسية الحقيقية للنصوص والأحكام الشرعية .

و في الحقيقة أن احترامنا لأنفسنا كدعاة والوقار المكتسب لذواتنا ينبغي ان يكون نابعا من مدى تطبيقنا لتلك النصوص لا علمنا بها فقط !

المثال الثالث:
جاء جهاز البرقية لمنطقة بريدة ليحدث ضجة كبيرة في تلك المنطقة ، فجاء من جاء إلى الشيخ رحمه الله تعالى يدعوه لإنكار هذه البدعة الشنيعة وأنها من عمل الشياطين بأن تلك البرقية تأتي بها الشياطين و أن القائمين على ذلك الجهاز يقومون ببعض الشركيات كذبح (تيس!) مثلا كل سنة !

 فضحك الشيخ مما قاله ذلك الرجل وضعّف ما نقل له عن ذلك الجهاز وقال له : أليس يُنقل بذلك الجهاز أسم الله تعالى وشيئا من القرآن الكريم ؟      قال الرجل : بلى فقال له الشيخ السعدي : وهل تنقل الشياطين لنا قول ربنا؟! فسكت ذلك المنكر ، فقام الشيخ ابن سعدي يشرح له طريقة نقل البرقية وأنها تنقل عبر أسلاك كهربائية ...الخ

فليس عجيب إنكار ذلك الرجل لأنه أمر حادث ليس له مثال سابق على العالم الإسلامي ، ولكن الغريب سعة أفق ابن سعدي واطلاعه على تطورات العصر .

رحم الله ابن سعدي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وكم أتمنى أن يكون قدوة لكثير من طلبة العلم .

تركي عيسى المطيري