ربانية المفتي
إذا كان للإفتاء ثلاثة أركان، المفتي والمستفتي والفتوى ، فلا ينبغي أن نتغافل عن البعد الرابع وهو الحس الدعوي في الفتوى ، فالله تعالى يقول: ﴿... وَلكِن كونوا رَبّانِيّينَ بِما كُنتُم تُعَلِّمونَ الكِتابَ وَبِما كُنتُم تَدرُسونَ﴾
[آل عمران: ٧٩]
فربط الله عز وجل بين العلم -على قراءة ابن كثير ونافع - والتدريس وبين أن يكونوا بذلك ربانيين؛ بمعنى أن العلم وحده لا يكفي فلابد وأن يكونوا حكماء بين الناس؛ يقول ابن سعدي رحمه الله في تفسير قوله عز وجل (ربانيين): "أي علماء حكماء حلماء معلمين للناس ومربيهم".
فمن السهل جدًّا على العالم أن ينقل اختياراته الفقهية للمستفتي بينما من الصعب أحياناً أن يتفهم المفتي مراد السائل الخفي من سؤاله والذي قد يغير فحوى فتواه.
فمن القصص الشهيرة في هذا الباب أنّ ثمة رجلاً كان يحب امرأة حبًّا شديداً؛ فرفضت الزواج منه ورضيت بآخر، فقام فقتلها، فأدركه الندم وجاء لابن عباس رضي الله عنهما يسأله هل له من توبة، فقال ابن عباس: هل لك أُمَّ؟ فقال: لا. قال : تب إلى الله عز وجل وتقرب إليه ، فذهب الرجل .
فسأل أحد الحضور ابن عباس لمَ سأل عن الأم؟ فقال: لا اعلم شيئاً يكفِّر السيئات مثل برِّ الأُمِّ(١).
فهنا ابن عباس رضي الله عنهما انتبه بأنّ هذا الرجل ارتكب جريمة اجتماعية فوجَّهه بموجب الشرع للتوبة و لسدِّ ثغرة اجتماعية أخرى .
بينما في حادثة أخرى جاءه سائل يسأله (نفس السؤال السابق ) : هل للقاتل توبة ؟ وكان يبدو عليه الغضب الشديد ممَّا يدلُّ على أنَّ الرجل يبحث عن ثغرة شرعيةً لارتكاب جريمة قتل. لذلك أغلق ابن عباس الباب وقال: لا ليس له توبة (٢) ولم يقل نعم إن كان له أمٌّ يبرُّها كالذي سبق ذكره .
وهنا يتجلَّى ذلك البُعد الدعوي الإصلاحي في الفتوى في فهم حال المستفتي ، فيفتي بالحرمة سدا للذريعة ، مع أنه كان يُبرئ ذمة ابن عباس رضي الله عنهما أن ينقل الحكم الشرعي فحسب ولا يدخل في تلك التفاصيل التي أملاها عليه حسه الدعوي .
لذلك كم هي مزعجة تلك الفتاوى التي أسمعها بين الفينة والأخرى من بعض المفتين والذين لا يتمتعون بهذا الحس، حيث يكتفون بنقل اختيارهم الفقهي فحسب ، غير عابهين بعواقب اهمالهم لحاجة المستفتي من نصح يقوِّم به طريقه ، أو استدراك يضبط فهمه للفتوى ، أو توجيه يرشده للأفضل ، أو حتى امتناعا عن الإفتاء الى أن يتبين له حال السائل .
فكم هو جميل من ذلك المفتي الفطن الحصيف الذي يجمع في جوابه بين العلم الشرعي والاصلاح السلوكي .
بقلم/ تركي عيسى المطيري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح الأدب المفرد (بتصرف)
(2) رواه ابن ابي شيبة في مصنفه (بتصرف)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق