الثلاثاء، 30 مارس 2021

 


ربانية المفتي

إذا كان للإفتاء ثلاثة أركان، المفتي والمستفتي والفتوى ، فلا ينبغي أن نتغافل عن البعد الرابع وهو الحس الدعوي في الفتوى ، فالله تعالى يقول: ﴿... وَلكِن كونوا رَبّانِيّينَ بِما كُنتُم تُعَلِّمونَ الكِتابَ وَبِما كُنتُم تَدرُسونَ﴾

[آل عمران: ٧٩]


فربط الله عز وجل بين العلم -على قراءة ابن كثير ونافع - والتدريس وبين أن يكونوا بذلك ربانيين؛ بمعنى أن العلم وحده لا يكفي فلابد وأن يكونوا حكماء بين الناس؛ يقول ابن سعدي رحمه الله في تفسير قوله عز وجل (ربانيين): "أي علماء حكماء حلماء معلمين للناس ومربيهم". 


 فمن السهل جدًّا على العالم أن ينقل اختياراته الفقهية للمستفتي بينما من الصعب أحياناً أن يتفهم المفتي مراد السائل الخفي من سؤاله والذي قد يغير فحوى فتواه.


فمن القصص الشهيرة في هذا الباب أنّ ثمة رجلاً كان يحب امرأة حبًّا شديداً؛ فرفضت الزواج منه ورضيت بآخر، فقام فقتلها، فأدركه الندم وجاء لابن عباس رضي الله عنهما يسأله هل له من توبة، فقال ابن عباس: هل لك أُمَّ؟ فقال: لا. قال : تب إلى الله عز وجل وتقرب إليه ، فذهب الرجل .

فسأل أحد الحضور ابن عباس لمَ سأل عن الأم؟ فقال: لا اعلم شيئاً يكفِّر السيئات مثل برِّ الأُمِّ(١).

 فهنا ابن عباس رضي الله عنهما انتبه بأنّ هذا الرجل ارتكب جريمة اجتماعية فوجَّهه بموجب الشرع للتوبة و لسدِّ ثغرة اجتماعية أخرى .


بينما في حادثة أخرى جاءه سائل يسأله (نفس السؤال السابق ) : هل للقاتل توبة ؟ وكان يبدو عليه الغضب الشديد ممَّا يدلُّ على أنَّ الرجل يبحث عن ثغرة شرعيةً لارتكاب جريمة قتل. لذلك أغلق ابن عباس الباب وقال: لا ليس له توبة (٢) ولم يقل نعم إن كان له أمٌّ يبرُّها كالذي سبق ذكره  .


وهنا يتجلَّى ذلك البُعد الدعوي الإصلاحي في الفتوى في فهم حال المستفتي ، فيفتي بالحرمة سدا للذريعة ، مع أنه كان يُبرئ ذمة ابن عباس رضي الله عنهما أن ينقل الحكم الشرعي فحسب ولا يدخل في تلك التفاصيل التي أملاها عليه حسه الدعوي .


لذلك كم هي مزعجة  تلك الفتاوى التي أسمعها بين الفينة والأخرى من بعض المفتين والذين لا يتمتعون بهذا الحس، حيث يكتفون بنقل اختيارهم الفقهي فحسب ، غير عابهين بعواقب اهمالهم لحاجة المستفتي من نصح يقوِّم به طريقه ، أو استدراك يضبط فهمه للفتوى ، أو توجيه يرشده للأفضل ، أو حتى امتناعا عن الإفتاء الى أن يتبين له حال السائل .

فكم هو جميل من ذلك المفتي  الفطن الحصيف الذي يجمع في جوابه بين العلم الشرعي والاصلاح السلوكي .



بقلم/ تركي عيسى المطيري

           

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح الأدب المفرد (بتصرف)

(2)  رواه ابن ابي شيبة في مصنفه (بتصرف)


السبت، 2 يناير 2021

رسالة مهمة لكل إمام وخطيب والى كل داع

 


هذه رسالة مهمة لكل إمام وخطيب والى كل داع بل والى كل كاتب  ..

حيث أن هناك دعاء يدعوا به أغلب خطباء الجمعة يكتنفه خطأ ينبغي التنبه له وهو قولهم :

(اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز به أهل طاعتك ويذل به أهل معصيتك ) !

ومن تمعَّن في قوله ويذل به أهل معصيتك لوجد أن هذا الدعاء يشمل جميع المسلمين !!

لأن ليس منا الا من اقترف معصية ولا شك أن الدعاء بهذا الاطلاق خطأ بل و مخالف لما ورد في الأثار الصحيحة والتي تنص على لفظ (عدوك) بدلا من (أهل معصيتك) .

لكن للأسف درج كثير من الخطباء والكتاب على ذلك.

فقد جاء هذا الدعاء في رواية عند ابن ابي شيبة رحمه الله في "المصنف" (15 / 163) تحت باب "ما يدعو به للعامة: كيف هو" بسند صحيح عن طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ – وهو تابعي- رحمه الله ، أنه كان يقول: ( اللَّهُمَّ أَبْرِمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرًا رَشِيدًا، تُعِزُّ فِيهِ وَلِيَّكَ، وَتُذِلُّ فيه عَدُوَّكَ، وَيُعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَتِكَ ).

وورد في "المعرفة والتاريخ" للفسوي (2 / 24)؛ قال:

" حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ يَلْقَانَا فَقَلَّمَا نَفْتَرِقُ حَتَّى نَقُولَ: ( اللَّهمّ اسْمُ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرًا رَشَدًا يُعَزُّ فِيهِ وَلِيُّكَ، وَيُذَلُّ فِيهِ عَدُوُّكَ، وَيُعْمَلُ فِيهِ لِطَاعَتِكَ، وَيُتَنَاهَى عَنْ سَخَطِكَ ). " انتهى.


وقد استحسن هذا الدعاء سفيان الثوري -وهو أحد رواته- فكان ممّا يدعوا به رحمه الله كما جاء في "حلية الأولياء" لأبي نعيم (7 / 81).

فالالتزام بما ورد عن السلف الأول أولى وأفضل وأكمل وان حسنت النوايا في اللفظ الخطأ المنتشر .


وقد وجدت ممن أشار لهذا الخطأ فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر البراك كما هو وارد في هذا الرابط .


هذا والله تعالى أعلم


https://ar.islamway.net/fatwa/35927


هذا والله تعالى أعلم

الأربعاء، 23 ديسمبر 2020

امتحان الخلق بالخلق



 ( وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعْضٍ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصيرا )

كثيرا ما توقفت عند هذه  الآية بما حوت من معاني عظيمة جليلة ، حيث نصت على سبب رئيس من أسباب إصابة الإنسان بكثير من المحن ، وهو امتحان الناس بعضهم ببعض، ابتداء من الأنبياء وأذية قومهم لهم ، وانتهاء بأي خلاف بين اثنين .


تنوعت أساليب أئمة التفسير في تفسير هذه الآية  وكلها تصب في معين واحد وهي فتنة الخلق بالخلق كما يقول الإمام الطبري رحمه الله: (وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض) اتتهى.


فهناك صور كثيرة لهذا الامتحان فقد يكون  من جهة التسلط واستخدام النفوذ، من وجه لا تستطيع أخذ حقك بشكل مشروع ، كسلطة المسؤول الظالم على المرؤوس ، أو تسلط الزوج قليل المروءة على زوجته  أو العكس ، أو كتسلط بعض الأباء على أبنائهم أو أذية جار السوء لجاره أو بشكل عام هو الظلم الذي يكون بين الناس في حقوقهم المادية والمعنوية .


أو قد تكون الفتنة من جهة أخرى - غير تظالم العباد المذكور - كما يقول الإمام القرطبي وغيره رحمهم الله:


   (فَالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، وَالْغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وَالْفَقِيرُ الصَّابِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُخْتَبَرٌ)انتهى


ومنها أيضا ما نراه اليوم من انبهار كثير من الناس بشخصيات التواصل الاجتماعي (السوشل ميديا) وحياة الترف المصطنعة (للفاشنستات) والتي يخادعن بها السذج من النساء على وجه الخصوص .


ومنها أيضا فتنة البعض بالصور والمقاطع المرئية المحرمة.


ولعل سائل يسأل لم هذا الاختبار والفتنة مع الإيمان وصلاح الحال ؟


 يجيب على هذا التساؤل  الإمام ابن القيم رحمه الله حيث قال :

(فالفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب) اغاثة اللهفان.


لذلك يقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى (أتصبرون) : 


[ (هذا) خَاصٌّ للمؤمنين المحققين مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ] انتهى


أي من قوي إيمانهم وتحقق صدقهم وكمل صبرهم في تجاوز هذه الفتن العظيمة .


 لأن الصبر دواء الفتن حفظنا الله واياكم منها .


يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له، ومخلصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة.)اغاثة اللهفان انتهى


فالصبر عبادة تكاد تكون مهجورة عند كثير من الناس ، فتجده كثير الجزع والتسخط على كثرة صلاته و صيامه  وصدقته .


 ولعظمها رتّب الله عليها أجرا عظيما ، فتارة وصفهم بالفائزين قال تعالى (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) ويبدوا وصفهم بالفائزين لأنه قد بدا لهم في الدنيا أثناء بلائهم أنهم أقل شأنا من غيرهم، أو أنهم قد انكسروا لمن ظلمهم.


 وتارة بأن لهم السلام التام بعد الهم والغم و القلق والبلاء في الدنيا قال سبحانه ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما﴾ .


وتارة يذكر سبحانه مضاعفة الأجر لهم لصبرهم حيث كانوا يدرؤون بالإحسان فتنة الخلق لهم في الدنيا يقول سبحانه : (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون﴾ .


ويختم سبحانه الآية بقوله ( وكان ربك بصيرا) يقول القاسمي في محاسن التأويل أن في ختم الآية بهذه العبارة (زِيادَةُ تَسْلِيَةٍ وعِدَةٌ جَلِيلَةٌ) بمعنى (أيْ: هو عالِمٌ فِيما يُبْتَلى بِهِ وغَيْرُهُ فَلا يَضِقْ صَدْرُكَ. فَإنَّ في صَبْرِكَ سَعادَةً وفَوْزًا في الدّارَيْنِ.) انتهى.


هذا ما تيسر من نصوص العلماء وما يدور في خلجات النفس من معاني حول هذه الآية الكريمة العظيمة ، والتي تشكل منهجا عظيما في التعامل مع ما لا يسلم منه العبد غالبا من البلاء ، حفظني الله واياكم و هدانا الى صراطه المستقيم .

تركي عيسى المطيري 

Turky60@hotmail.com 





الاثنين، 16 نوفمبر 2020

بذل الساعي في جمع روايات حديث كلام الذئب للراعي وما فيه من فوائد

 

 

الحمد لله رب العالمين المنزل في كتابه الكريم ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت :53] والصلاة والسلام على الرسول الكريم ﷺ المؤيد  بالآيات الكبار والمعجزات العظام  .

أما بعد..

فهذه ورقة جمعت فيها الروايات الواردة في كلام الذئب لراعٍ يهودي ، وكان ذلك سببا في اسلامه . وقد انتهجت في جمعها أن أجعل رواية البخاري رحمه الله هي الأصل على قِصرها ثم أُضيف لها باقي الروايات ؛ حيث أَصُفّ الروايات التي صحَّت في نسق واحد حتى تعطي معنىً متكاملاً لهذه الواقعة العجيبة والآية العظيمة ، ويتكون لدينا تصور كامل لذلك الحدث . 

وقد اشترطت على نفسي أن لا أنقل نصاًّ إلا وهناك من صححه من أهل العلم الأثبات ، وأثبت لكل رواية من صحَّحها في هامش الورقة مكتفياً بالمرجع الذي ذُكر فيه تصحيح الرواية ، حيث بُسِط فيه تخريج الرواية من كتب السنن والمسانيد .

وقد ذكرت بعد الجمع بعض الفوائد المهمة في هذا الحديث ، وأسأل الله تعالى القبول وأن يغفر لي ما أخطأت فيه والله المستعان .

رواة الحديث : 

-أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه .

- أبو هُرَيْرَة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه 

نص الحديث برواياته :

[ بينَما راعٍ في غنَمِهِ (يرعى بالحرة)٢ عَدَا الذئْبُ فأخَذَ مِنْهَا شاةً ، فطَلَبَها حتَّى اسْتَنْقَذَهَا(وَهَجْهَجَه فعانده الذئبُ يمشي)٥ (فصعد الذئب على تلٍّ فأقعى واستثفر)١ (بذنَبِه)٥،فالْتَفَتَ إليهِ الذِّئْبُ ، فقالَ لَهُ : (يا راعي)٦ (ألا تتقي الله)٢ (عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته ، ثم انتزعته مني ؟ !)١ مَنْ لَهَا يومَ السبُعِ ، ليسَ لها راعٍ غَيْرِي  (فقال الرجل : تالله إن رأيت كاليوم! (العجب من ذئب مقع على ذنبه يتكلم بكلام الإنس)٢ ذئب يتكلم ! فقال الذئب : (واللهَ إنك لتتركُ أعجبَ من ذلك)٦أعجب من هذا : (محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيثربَ)٣ رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى ، وما هو كائن بعدكم ، قال – الراوي - : وكان الرجل يهوديا ( فأقبل الراعي يسوقُ غنمَه حتى دخل المدينةَ فزواها إلى زاويةٍ من زواياها)٤ فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم (حتى ضرب عليه بابَه فلما صلّى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال : أين الأعرابيُّ صاحبُ الغنمِ ؟ فقام الأعرابيُّ)٥ (فأخبره)١ ( فأمر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنودي الصلاةُ جامعةٌ ثم خرج فقال للراعي أَخْبِرْهم )٣ (بما سمعت وبما رأيتَ فحدَّث الأعرابيُّ الناسَ بما رأى من الذِّئبِ وما سمع منه)٥ فقالَ الناسُ : سبحانَ اللهِ ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (صدق الراعي ألا إنه من أشراط الساعة كلام ( الكلابُ )٦ السباع للإنس والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس)٢ فإِنِّي أُؤْمِنُ بِهِ وأبو بكرٍ وعمرُ . وما ثَمَّ أبو بكرٍ وعمرُ (وأسلم -أي اليهودي-)١ (ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم إنها أمارت بين يدي الساعة ، فقد أوشك الرجل أن يخرج ، فلا يرجع حتى )١ (يكلم الرجل شراك نعله ، وعذبة سوطه ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده)٢

١-الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: تخريج مشكاة المصابيح - الصفحة أو الرقم: 5870

خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

٢-الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: البيهقي- المصدر: دلائل النبوة - الصفحة أو الرقم: 6/41

خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح،[وله شاهد من وجه آخر]

٣-الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: ابن كثير -المصدر: البداية والنهاية - الصفحة أو الرقم: 6/150

خلاصة حكم المحدث: إسناده على شرط الصحيح.

٤-الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 1/241

خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح رجاله ثقات.

٥-الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: ابن كثير- المصدر: البداية والنهاية - الصفحة أو الرقم: 6/151

خلاصة حكم المحدث: على شرط أهل السنن.

٦-الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: الوادعي - المصدر: الصحيح المسند - الصفحة أو الرقم: 412  خلاصة حكم المحدث: صحيح.


غريب الحديث 

هجهجه ؛ زجره وصاح عليه 

 أقعى : جلس على إسته  مفترشا رجليه وناصبا يديه 

استثفر : أي أدخل ذيله بين رجليه 

عذبة سوطه :  طرف السوط

فوائد الحديث برواياته :

-ان هذه العجماوات لها مستوى جيد من الفهم والإدراك الفطري بحيث تهتدي لما ينفعها لبقائها وتكاثرها ولا يبعد أنها تعرف بعض ما يدور حولها من حوادث لبني آدم كما هو ملموس من سلوكها في كثير من الأحيان ، وما ينقل لنا ملاك ورعاة الإبل على وجه الخصوص من سلوكيات يدل على ما ذكرنا .

-أن هذه الحيوانات ليس بليدة الإحساس بل لها مشاعر تعبر عنها بطريقتها الخاصة ولو لم تتكلم ، كما هو واضح من الاستثقال في المشي ثم الاقعاء و الاستثفار.

- إن معجزة النبي ﷺ  الكبرى هي القرآن الكريم وهي التي تحدى بها الناس لكن الله سبحانه أيده بكثير من المعجزات منها ما جرى على يديه مباشرة كنبع الماء من بين أصابعه ومنها ما أيده بها من غير علمه كقصة هذا الذئب .

-في الحقيقة لا أعلم هل هذه العجماوات تعرف أحوال الرسول ﷺ وتعرف بعض أحوال آخر الزمان أم أنه كلام أجراه الله على لسان الذئب ، ومما يحسن نقله هنا -في تأييد الله سبحانه لنبيه ﷺ -قول الإمام ابن حجر رحمه آلله (وَفِي الْحَدِيث -حنين الجذع - دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْجَمَادَات قَدْ يَخْلُق اللَّه لَهَا إِدْرَاكًا كَالْحَيَوَانِ بَلْ كَأَشْرَف الْحَيَوَان ) الفتح ٦/٦٣٦ فإن كان هذا في الجمادات كالجذع الذي حن للنبي ﷺ فمن باب أولى أن نقول ذلك لمثل هذا الذئب الذي جعل له فهما يدرك من خلاله أمورا لم يفهمها أو ينتبه لها بعض البشر .

- وفي الحديث منقبة لهذا اليهودي الذي أسلم في بيان صدقه وحسن تصرفه ، حيث ذهب الى الرسول ﷺ وأخبره بخبر الذئب ، ولم يفعل كما فعل غيره من اليهود الذين بان لهم صدق الرسول ﷺ فكتموا ذلك.

 -في قول النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي (أخبرهم) قطع الطريق على خصوم الاسلام من المنافقين والمشركين ، بأن النبي يأتي بما لا يصدقه الواقع ، فيستغلون ذلك في إثارة البلبلة كما فعلوا في غزوة الأحزاب ، عندما بشّرهم النبي صلى الله عليه وسلم بفتح فارس والروم واليمن فقالوا (يخبركم أنه يبصر من يثربَ قصورَ الحَيرةِ ومدائنَ كسرى وإنها تُفتح لكم وأنتم تحفرون الخندقَ لا تستطيعون أن تبرُزوا) ، أما هنا فباخبار اليهودي للعامة ففيه تقوية لإيمان المسلم منهم والجام لكل منافق بأن الخبر جاء من غير النبي صلى الله عليه وسلم بل ومن ليس على دينه ، وهذه فائدة لكل داعية بأن يكون فطنا بتعدد اسلوب دعوته .

- لا شك أن في قول الرسول ﷺ (أخبرهم) كونه شاهد لعين الحادثة ، لكن مع التمعن نجد أن فيها تكريم لذلك اليهودي بأن يخطب في المسلمين ، وبمعنى آخر -إن صح التعبير- (إعطاء اليهودي قيمة أمام الجمهور) وتدعيمه بتوثيق كلامه من الرسول ﷺ لما شاهده من عجيب أمر الذئب ، مما يزيد في قناعته بالإسلام في نفس المقام ، وبهذا نتعلم اسلوب جديد في الدعوة من النبي ﷺ .

-ينبغي على الداعية أن لا يفوت الفرص في الدعوة الى الله خصوصا عندما يرى من الناس أن قلوبها قد لانت وتوجهت لباريها إما لآية رأتها أو لأمر آخر أثر فيها .

-عظم مكانة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الإسلام وعند الرسول ﷺ  حيث شهد الرسول ﷺ على إيمانهما وتصديقهما لهذا الأمر العجيب وهما لم يسمعا به أصلا ولم يحضرا هذا الجمع .

- ذكر الرسول ﷺ أربع آيات تدل على قرب قيام الساعة في هذا الحديث  ولمناسبة المقام بنطق ما يستحيل كلامه ، أضاف النبي ﷺ نطق الجمادات والتي ستحدث في اخر الزمان والأربع هي :

١- كلام السباع للناس .

٢-كلام شراك النعل لصاحبه .

٣-كلام عذبة السوط لحامله .

٤-إخبار فخذ الرجل الرجل بما خفي عليه من أخبار أهله ، وهنا قال (يخبر) ولم يقل يتكلم والإخبار يحتمل عدة معاني منها الكلام الصريح والله أعلم .

 وحسب علمنا أنه لم يحدث منها شيء إلى الان ومن تكلم من العلماء بأنها حدثت لم تخلوا تقريراتهم من مبالغات وتكلف في اثبات ذلك.

-- في الحديث علامة ذكرها الذئب وأقرها رسول الله ﷺ  وهي أنه سيأتي يوم تهمل فيه هذه الأنعام حتى تصبح فريسة سهلة للسباع وقد اختلف العلماء في مقصود قوله (يوم السبع) فذهب البعض إلى أن المقصود هو يوم القيامة وهذا بعيد لأن يوم القيامة لا يصلح ان يصف الذئب بني جنسه بأنهم رعاة للغنم ، وذهب البعض الآخر الى أن المراد من لها عند الفتن حين يتركها الناس هملا لا راعي لها فتكون نهبة للذئاب والسباع، فجعل السبع لها راعيا إذ هو منفرد بها، وهذا إنذار بما سيكون من الشدائد والفتن التي يهمل الناس فيها شياههم فيتمكن منها السباع بلا مانع.

 - ومن الفوائد المهم ذكرها، أن هذا الأشراط وغيرها والتي ذكرت في مئات الأحاديث من دلائل نبوته المتجددة في كل عصر ، حيث لا يأتي جيل إلا ويجد ما قاله النبي ﷺ يتحقق أمامه ، فتكون هذه الأشراط والآيات من المثبتات للمسلمين في أزمنة الفتن .

- ذكر بعض المؤرخين والنسابة كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله في تهذيب التهذيب أن اسم الرجل أُهبان بن عمرو بن الأكوع وقيل أُهبان بن عياذ الخزاعي (ولعله ممن تهود في الجاهلية من العرب).

- لطيفة ذكرها الإمام الماوردي في كتابه [أعلام النبوة] حيث يقول عن الرجل الذي كلمه الذئب : وبقي لعقبه شرف يفخرون به على العرب ويقول مفتخرهم  (أنا ابن مكَلِّم الذئب).

- ذكر بعض المؤرخين أن ابنه اسمه عقبه استعمله عمر رضي الله عنه على الصدقات .

- وقد أنشد فيه ابن الكلبيّ لبعض الشعراء:

إلى ابن مكلّم الذّئب ابن أوس ... رحلت على عذافرة أموز .

هذا والله تعالى أعلم وأحكم وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 


كتبه

تركي عيسى المطيري

 ٨شعبان ١٤٤١

١-٤ -٢٠٢٠





الأحد، 20 سبتمبر 2020

تنبيه هام : عبارة انتشرت لا يجوز قولها

 


انتشرت بين فئة من الشباب كلمة دَرَجَت على ألسنتهم جهلاً، وهم لا يقصدون حقيقتها - وهي كلمة شنيعة لا يجوز التلفظ بها، ألا وهي  قولهم: (ولا غلطة) لما هو من صنع الخالق سبحانه ولا دخل للإنسان فيه، وهي من  الأقوال المستوردة والمترجمة ترجمة حرفية عن الذين لا يميِّزون بين ما يجوز أن يقال في وصف صنعة المخلوق، ولا يجوز أن ينسب لله سبحانه وتعالى فيما خلق؛ حيث يقولون (الجو اليوم ولا غلطة)، أو يمدح خِلْقَةِ إنسان فيقول عنه (ولا غلطة)، ونحو ذلك  وكأن خلق الله الذي ليس للإنسان دخلا فيه يطرأ عليه الغلط.


وهذا لا شك ولا ريب أنه منكر من القول عظيم؛ فيجب أن نميز بين ما خلقه الله سبحانه وتفرد به، وبين ما يصنعه البشر.


فما خلقه الله ولم يجعل لمخلوق سبباً فيه لا يجوز لأي أحد إذا لم يَرُقْ له ذلك أن يقول عنه (غلطة)، فالله لا يخلق شيئاً على أي صفة كانت إلا لحكمة عظيمة، وهذا بخلاف صنعة المخلوق التي يعتريها النقص والعيب.


 فينبغي علينا أن نعظم الله سبحانه وننزّهه عن صفات النقص، ولا نكون كمن قال الله فيهم (وما قدروا الله حق قدره).

 والله تعالى أعلم.

الأحد، 26 يوليو 2020

نحن والقرآن


 
 
القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليهدي به عباده، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، وينظم حياتهم، ويلم شتاتهم ، ويرقى بعقولهم وأفكارهم.
 
﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ [طه ٢]
 
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]
 
فالقرآن باختصار هو دستور حياة، ورحمة للعالمين ...  
لكن السؤال الذي يرد هل اتَّخذه (المسلمون) -فعلاً- لحياتهم دستوراً؟
 
إن الحديث عن قدسية القرآن هو في الحقيقة حديث عن واقع الأمة؛ لأنه لولاه لما كان هناك واقعاً مشرِّفاً لها! ... 
 
ولو كان المقصود هو تقديس الأوراق والأحبار التي بمجموعها تشكل المصحف المطبوع -وهو مقدَّس بلا شك-، فلا أظن أنه مرَّ زمانٌ على أمَّة الإسلام اهتمت فيه بطباعة القرآن وتزيينه مثل هذا الزمان!
 
فاليوم -كما نرى- أوراقه مخملية، وأحباره ذهبية، والنسخ الفاخرة منه تملأ رفوف المكتبات الخاصة والعامة، بل ولا تكاد تدخل على موظف سواء كان مسؤولا أو موظفا عاديًّا إلا وتجده قد جَمَّل مكتبه بنسخة من كتاب الله الكريم؛ فهل هذه هي القدسية الحقيقية للقرآن؟!
إنَّ الصدر الأول من أهل الإسلام كانوا يكتبون القرآن الكريم على ما تيسَّر لهم؛ كعظام أكتاف الإبل، وبعض الجلود المدبوغة، ونحو ذلك، ولم يتكلَّفوا من أجل كتابته جلب أرقى أنواع الورق -البردي مثلاً من مصر-، ولم يتكلفوا اختيار نوع الحبر الذي سيكتب به - وإن كانوا قد قدسوه من جهة الكتابة حسب استطاعتهم - غير أنهم أقاموا له قدسية أخرى قد تكون في كثير من صورها غير متحققةٍ في زمننا هذا. أو نقول: لعلها نادرة الوجود...

ينبغي علينا أن نتساءل ونسأل أنفسنا .. لقد تقاطعنا مع الصدر الأول في مبدأ تقديس القرآن، بل ربما زدنا عليهم في شأن الكتابة والطباعة، وحلقات التحفيظ، والمسابقات الدولية التي تخرِّج الحفاظ.
بل وهذه الإذاعات والقنوات تتلوا آيات القرآن وتصدح بها في الليل والنهار ، فلم القوم نالوا العزة والكرامة وصاروا مهابي الجانب ونحن بخلاف ذلك ؟
 
 لا شك أن هناك عدة إجابات تتبادر إلى ذهنك أيها القارئ الكريم، وأظن أنَّ من أهمِّها أنَّ السلف -رحمهم الله- كانوا يتلونه حق تلاوته؛ يقول الله تعالى: ﴿الذين آتَيناهُمُ الكِتابَ يَتلونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤمِنونَ بِهِ وَمَن يَكفُر بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الخاسِرونَ﴾ [البقرة: ١٢١]
 فما حق تلاوته؟
 
* إن من حقِّ تلاوته: قوة الإيمان به والتصديق بوعده ووعيده، ولا يكون هذا في وقت الرخاء والسعة فحسب، بل يجب أن يكون حتى في أضيق الأحوال، وأعظم الأهوال؛ ﴿ولمَّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾ [الأحزاب: 22].
 
* ومن حق تلاوته: أن تكون تلاوته ديدن كل مسلم، وأن لا يهجر قراءته، فالسلف -رحمهم الله- على تفاوت مقدار الورد اليومي لكل منهم؛ فمنهم من يختم في شهر، ومنهم من يختم في أسبوع، ومنهم من يختم في ثلاثة أيام، بل ومنهم من يختم في ليلة، غير أنهم اتفقوا على أنه لا ينبغي أن يمر يوم دون تلاوته، وإعمار ليلهم بآياته، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾ [آل عمران ١١٣] ، وفي موضع آخر قال سبحانه: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾ [الزمر: ٩].
 ونحن -للأسف- الكثير منا لا يخطر بباله ختم القرآن إلا من رمضان إلى رمضان، والله المستعان .
 
* ومن حق تلاوته: العمل به، والقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، والاستشفاء به، فالقرآن ليس -فقط- للتبرك به في افتتاح المؤتمرات والندوات والدورات، أو تزيين صدور المجالس ومقار العمل به. إن القرآن كان يمثّل بالنسبة للسلف الصالح منهج حياة، وسلوك فرد، وقواعد تضبط حياة المجتمع، فحبهم للقرآن وولعهم بترجمة نصوصه إلى أفعال جعل منهم قرآناً يمشي على الأرض، وقد قالت أُمُّنا عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان خلقه القرآن ) [رواه أحمد وصححه الألباني]، وقد قال  ابن مسعود  رضي الله عنه: (كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نتعلمهن ونعمل بهن، ونعلمهن، ونعلم حلالهن وحرامهن، فأوتينا العلم والعمل) ، وفي موطأ مالك : أنه بلغه (أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها)، وعن مالك عن نافع عن ابن عمر قال : (تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزوراً).
 
فالعمل بالقرآن كان عندهم أولى من السرعة في حفظ ألفاظه.
 
لذلك القرآن جعلهم صادقين مع الله ومع أنفسهم ومع مجتمعهم، وجعل المسلم أخَ المسلم حقيقة لا ادِّعاء. 
إنّ القرآن زرع بينهم الرحمة، وحسن الظن، وحسن المعاملة، فلا تجد أحدهم يظلم أخاه، أو يحقره، أو يغتابه أو يحسده، بل تجده يحافظ على حقوقه الحياتية والمالية.
والقرآن أزال الفروق الفئوية والطبقية التي بينهم؛ وجعل بينهم الألفة والمحبَّة والتواضع، وخفض الجناح للمؤمنين؛ فهل نحن كذلك اليوم؟ 
 
 هذه الإجابات المختصرة وغيرها هي بمجموعها قدسيَّة القرآن الحقيقية التي أُخرجت من أجلها هذه الأمة لإصلاح نفسها، وهداية الأمم؛ ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
 
فينبغي علينا أن نعيد حساباتنا مع القرآن؛ فإنَّ وَضْعَ الدواء على المنضدة، ومدحه والثناء عليه من غير أن نتناوله لا يجلب العافية للمريض.

بقلم
تركي المطيري
25-7-2020