الأحد، 26 يوليو 2020

نحن والقرآن


 
 
القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليهدي به عباده، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، وينظم حياتهم، ويلم شتاتهم ، ويرقى بعقولهم وأفكارهم.
 
﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ [طه ٢]
 
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]
 
فالقرآن باختصار هو دستور حياة، ورحمة للعالمين ...  
لكن السؤال الذي يرد هل اتَّخذه (المسلمون) -فعلاً- لحياتهم دستوراً؟
 
إن الحديث عن قدسية القرآن هو في الحقيقة حديث عن واقع الأمة؛ لأنه لولاه لما كان هناك واقعاً مشرِّفاً لها! ... 
 
ولو كان المقصود هو تقديس الأوراق والأحبار التي بمجموعها تشكل المصحف المطبوع -وهو مقدَّس بلا شك-، فلا أظن أنه مرَّ زمانٌ على أمَّة الإسلام اهتمت فيه بطباعة القرآن وتزيينه مثل هذا الزمان!
 
فاليوم -كما نرى- أوراقه مخملية، وأحباره ذهبية، والنسخ الفاخرة منه تملأ رفوف المكتبات الخاصة والعامة، بل ولا تكاد تدخل على موظف سواء كان مسؤولا أو موظفا عاديًّا إلا وتجده قد جَمَّل مكتبه بنسخة من كتاب الله الكريم؛ فهل هذه هي القدسية الحقيقية للقرآن؟!
إنَّ الصدر الأول من أهل الإسلام كانوا يكتبون القرآن الكريم على ما تيسَّر لهم؛ كعظام أكتاف الإبل، وبعض الجلود المدبوغة، ونحو ذلك، ولم يتكلَّفوا من أجل كتابته جلب أرقى أنواع الورق -البردي مثلاً من مصر-، ولم يتكلفوا اختيار نوع الحبر الذي سيكتب به - وإن كانوا قد قدسوه من جهة الكتابة حسب استطاعتهم - غير أنهم أقاموا له قدسية أخرى قد تكون في كثير من صورها غير متحققةٍ في زمننا هذا. أو نقول: لعلها نادرة الوجود...

ينبغي علينا أن نتساءل ونسأل أنفسنا .. لقد تقاطعنا مع الصدر الأول في مبدأ تقديس القرآن، بل ربما زدنا عليهم في شأن الكتابة والطباعة، وحلقات التحفيظ، والمسابقات الدولية التي تخرِّج الحفاظ.
بل وهذه الإذاعات والقنوات تتلوا آيات القرآن وتصدح بها في الليل والنهار ، فلم القوم نالوا العزة والكرامة وصاروا مهابي الجانب ونحن بخلاف ذلك ؟
 
 لا شك أن هناك عدة إجابات تتبادر إلى ذهنك أيها القارئ الكريم، وأظن أنَّ من أهمِّها أنَّ السلف -رحمهم الله- كانوا يتلونه حق تلاوته؛ يقول الله تعالى: ﴿الذين آتَيناهُمُ الكِتابَ يَتلونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤمِنونَ بِهِ وَمَن يَكفُر بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الخاسِرونَ﴾ [البقرة: ١٢١]
 فما حق تلاوته؟
 
* إن من حقِّ تلاوته: قوة الإيمان به والتصديق بوعده ووعيده، ولا يكون هذا في وقت الرخاء والسعة فحسب، بل يجب أن يكون حتى في أضيق الأحوال، وأعظم الأهوال؛ ﴿ولمَّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾ [الأحزاب: 22].
 
* ومن حق تلاوته: أن تكون تلاوته ديدن كل مسلم، وأن لا يهجر قراءته، فالسلف -رحمهم الله- على تفاوت مقدار الورد اليومي لكل منهم؛ فمنهم من يختم في شهر، ومنهم من يختم في أسبوع، ومنهم من يختم في ثلاثة أيام، بل ومنهم من يختم في ليلة، غير أنهم اتفقوا على أنه لا ينبغي أن يمر يوم دون تلاوته، وإعمار ليلهم بآياته، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾ [آل عمران ١١٣] ، وفي موضع آخر قال سبحانه: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾ [الزمر: ٩].
 ونحن -للأسف- الكثير منا لا يخطر بباله ختم القرآن إلا من رمضان إلى رمضان، والله المستعان .
 
* ومن حق تلاوته: العمل به، والقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، والاستشفاء به، فالقرآن ليس -فقط- للتبرك به في افتتاح المؤتمرات والندوات والدورات، أو تزيين صدور المجالس ومقار العمل به. إن القرآن كان يمثّل بالنسبة للسلف الصالح منهج حياة، وسلوك فرد، وقواعد تضبط حياة المجتمع، فحبهم للقرآن وولعهم بترجمة نصوصه إلى أفعال جعل منهم قرآناً يمشي على الأرض، وقد قالت أُمُّنا عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان خلقه القرآن ) [رواه أحمد وصححه الألباني]، وقد قال  ابن مسعود  رضي الله عنه: (كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نتعلمهن ونعمل بهن، ونعلمهن، ونعلم حلالهن وحرامهن، فأوتينا العلم والعمل) ، وفي موطأ مالك : أنه بلغه (أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها)، وعن مالك عن نافع عن ابن عمر قال : (تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزوراً).
 
فالعمل بالقرآن كان عندهم أولى من السرعة في حفظ ألفاظه.
 
لذلك القرآن جعلهم صادقين مع الله ومع أنفسهم ومع مجتمعهم، وجعل المسلم أخَ المسلم حقيقة لا ادِّعاء. 
إنّ القرآن زرع بينهم الرحمة، وحسن الظن، وحسن المعاملة، فلا تجد أحدهم يظلم أخاه، أو يحقره، أو يغتابه أو يحسده، بل تجده يحافظ على حقوقه الحياتية والمالية.
والقرآن أزال الفروق الفئوية والطبقية التي بينهم؛ وجعل بينهم الألفة والمحبَّة والتواضع، وخفض الجناح للمؤمنين؛ فهل نحن كذلك اليوم؟ 
 
 هذه الإجابات المختصرة وغيرها هي بمجموعها قدسيَّة القرآن الحقيقية التي أُخرجت من أجلها هذه الأمة لإصلاح نفسها، وهداية الأمم؛ ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
 
فينبغي علينا أن نعيد حساباتنا مع القرآن؛ فإنَّ وَضْعَ الدواء على المنضدة، ومدحه والثناء عليه من غير أن نتناوله لا يجلب العافية للمريض.

بقلم
تركي المطيري
25-7-2020





الجمعة، 3 يوليو 2020

الأيام البيض خطأ لغوي شائع



الأيام البيض خطأ لغوي شائع


أنا لست ممن يحترف اللغة ومعانيها ، ولا النحو وقواعده ، لكنني باحث جاد حول كل إشكال لغوي أو شرعي يعرض لي ، ومما استشكلته قول الكثير صيام الأيام البيض، كيف توصف الأيام بالبيض وكل الأيام بيض ! وبعد اطلاعي على عدة كتب فقهية تبين لي أنه لفظ متداول بين الفقهاء فأخذت أستر وجهي وانكمش رأسي بين كتفي حياء من جرأتي على هذا العلم والذي أكسبونا عداوته منذ نعومة أظفارنا ، وقد يقاسمني كثير من القراء ذلك فقد كانت مادة اللغة العربية وخاصة [ النحو ] وما التف بعباءته من علوم تقشعر منه الأبدان ! من سوء العرض والتقديم لهذه المادة المهمة لاسيما وأنها لغة القرآن الكريم.

ولكن أبت نفسي التراجع - وهكذا عهدتها – فأخذت بالبحث بين الفينة والأخرى حتى انتصرت ووجدت ما يشفي غليلي في هذه المسألة حتى أني - وأرجو أن تصدقوني ! - بت تلك الليلة وأنا أفاخر سيبويه والكسائي !

لا أطيل عليكم هاكم تلك النصوص والتي هي لأرباب الفقه واللغة يحدثونكم عن ذلك الكنز الذي وقعت عليه : 
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى : ( قوله وأيام البيض هكذا ضبطناه عن نسخة المصنف وهو الصواب ويقع في بعض النسخ أو أكثرها الأيام البيض وكذا يقع في كثير من كتب الفقه وغيرها وهو خطأ عند أهل العربية معدود في لحن العامة لأن الأيام كلها بيض وأما صوابه أيام البيض أي أيام الليالي البيض وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر هذا هو الصحيح المشهور ) ألفاظ التنبيه ج 1 ص 129.

ويقول العكبري الحنبلي رحمه الله تعالى : ( الصحيح أيام البيض وعدم جواز الأيام البيض وفي حديث قتادة بن ملحان القيسي : ' كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يأمر بصيام أيام البيض أيام مضافة إلى البيض ، لأن البيض هي الليالي ،لابيضاضها بالقمر من أول الليل إلى آخره ، ولا يجوز الأيام البيض ، لأن الأيام كلها بيض ، وإنما التقدير : أيام الليالي البيض ) .إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث ج 1 ص 129.

ويقول ابن الأثير الجزري رحمه الله تعالى : ( وسميت بيضا ، لأن لياليها بيض ، لطلوع القمر فيها من أولها إلى آخرها . ولا بد من حذف مضاف ، تقديره : أيام الليالي البيض ) جامع الاصول ج 6 ص 326.

وأما الفيروز آبادي صاحب القاموس فيقول : ( وأيام البيض أي : أيام الليالي البيض وهي الثالث عشر إلى الخامس عشر أو الثاني عشر إلى الرابع عشر ولا تقل الأيام البيض ) القاموس المحيط ج 1 ص 823.

ونقل ابن منظور ما هو نصه ( قال ابن بري : وأكثر ما تجيء الرواية الأيام البيض ، والصواب أن يقال أيام البيض بالإضافة لأن البيض من صفة الليالي ) لسان العرب ج 7 ص 124 .

وأخيرا يقول الجزري في كتابه النهاية ( ... وفيه كان يأمرنا أن نصوم الأيام البيض هذا على حذف المضاف يريد ايام الليالي البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر . وسميت لياليها بيضا لأن القمر يطلع فيها من أولها إلى آخرها وأكثر ما تجيء الرواية الأيام البيض والصواب أن يقال أيام البيض بالإضافة . لأن البيض من صفة الليالي ) النهاية في غريب الأثر ج 1 ص 173
وبعد هذا الاكتشاف ألا ترون أني وقعت على شيء مهم ... شكرا لكم أحبتي ... وإلى اكتشاف جديد إن شاء الله ! (ابتسامة)

تركي عيسى المطيري

الاثنين، 11 مايو 2020

رسالة قصيرة لرواد وسائل التواصل


*رسالة قصيرة لرواد وسائل التواصل الاجتماعي*

هذه رسالة موجهة لرواد التواصل الاجتماعي، الذين يسعون لنشر الفضيلة وهدم سور الرذيلة، الذين يتطلعون إلى غدٍ مشرق لدينهم، الذين يزرعون الأمل في نفوس الناس ويسعون في صلاحهم  ...

أقول لهم ...

يا كتّاب المعالي ... يا ناشدي الخير وهداية الناس ... ألا ترون أن الكثير من أوقاتنا تذهب على شبكة الانترنت، وأن أناملنا تعبت من الضغط على أزرار لوحة المفاتيح؟!... ولا ندري هل هي لنا أم علينا؟!  ... اسمح لي أن أقول لك: توقف لحظة ... نعم توقف لحظة ... وارفع يدك عن زر الفأرة أو هاتفك قليلاً ولا تقفز إلى صفحة أخرى ... حتى تقرأ هذه الكلمات .

 
هل خطرت ببالك تلك المحاور التي ينطلق منها الكاتب المصلح وهي :

1- أن على الإنسان أن يترفع عن بعض الردود احتراماً لإسلامه الذي بيّن له كيفية تعامله مع الآخرين ولو ساءت أخلاقهم، وأن يظهر محاسن دينه التي تنطق بها أنامله على الشبكة.

2- أن يحرص على هداية الناس للخير، وأن يحصل لهم بسببه أدنى المكاسب مهما كانت ضئيلةً؛ كأن يجعل من عزم على عمل سيئة ينثني عنها.

3- أن ينتقي مقالاته المطروحة سواء كانت من منقولة أو معقولة، بحيث تكون مما ينفع الناس.

4- أن يبتكر في فن العرض والنقد، ويبتعد عن الأسلوب الموحد في الطرح؛ حتى لا يتسرب الملل إلى نفوس القراء ..

5- أن يُخلص العمل لله تعالى؛ وضابطه أولاً: أن ينظر في صفحة قلبه هل من شريك لله في موضوعه، ثم ينظر في صفحة ما كتب أو ما نقل؛ هل فيه ما يثير سخط الله عليه، ولو مخالفة بسيطة لدينه ...

6- أن يلزم الدعاء بأن يهديه الله إلى ما يحب ويرضى، وأن ينفع الله تعالى بما يكتب.

أقول: ينبغي أن تكون هذه النقاط البسيطة حاضرة في البال دائما ؛ ليكون ما تكتب لك لا عليك ،وفقني الله واياكم لما يحب ويرضى .


 

الأربعاء، 29 أبريل 2020

دمشق بأعين أندلسية

من فوائد لزوم المنزل (٣)



حديثنا يا سادة عن مدينة دمشق ، وعندما نتكلم عن دمشق فإننا نتكلم عن أقدم عاصمة - في التاريخ - لحضارات متعاقبة الى أن صارت عاصمة دولة الاسلام أبان الخلافة الأموية ، بل يقال أن سبب تسميتها بالشام أنها سمِّيت على سام بن نوح ، فتاريخها أكبر من أن نلخصه بمقالة .

والكتب التي أُلفت في تاريخ دمشق كثيرة جدا ، ابتداءً من كتاب تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر - رحمه الله - وانتهاء بكتاب دمشق  لفضيلة الشيخ الاديب علي الطنطاوي رحمه الله .

لكن من الجميل أن نظفر بنص ليس في مظان البحث عن تاريخ المدينة ، حيث لا يجده كثير من الباحثين المهتمين بتاريخها.



والنص الذي أعنيه هو ما ذكره أحد علماء المالكية والذي زارها أيام طلبه للعلم ، فأخذ يصفها وصفا دقيقا رائعا شيقا ، حيث تقرأ ما بين سطور عباراته ذلك الإعجاب المفعم بالعشق بكل تفاصيلها .

ومما أحزنني أني زرتها قبل ثلاثة عشر عاما  أوتزيد وبرغم إعجابي بها غير أني لم أشاهد عُشْر ما ذكر في هذا النص -بل أقل!- بسبب تغير الظروف البيئية والتطور العمراني ونضوب كثير من الأنهار، وهو ما أسِفَ عليه الشيخ علي الطنطاوي في كتابه الشهير الذكريات ، حيث أسهب في ذكر تَغَيُّر مدينة دمشق عما كانت عليه في سالف الأزمان.

والآن ننتقل للنص الرائع والذي يصف فيه الكاتب كيف كانت هذه المدينة في القرن الخامس الهجري ، حيث يقول الإمام ابن العربي المالكي - رحمه الله - وهو القادم من جنان الأندلس وأرياف فاس الساحرة والتي يتصاغر أمامها كل جمال إلا جمال دمشق ، الذي لم يتمالك هذا العالم المالكي أن يبوح بدهشته منها في كتابه أحكام القرآن .



يقول ابن العربي أثناء ذكره لخلاف المؤرخين أي المدينتين كانت موطنا لقبيلة عاد دمشق أم الاسكندرية  :

( ... وتحقيقها أنها دمشق ، لأنها ليس في البلاد مثلها. ...وإليها أوت مريم، وبها كان آدم، وعلى جبلها دم هابيل في الحجر جار لم تغيره الليالي ، ولا أثرت فيه الأيام، ولا ابتلعته الأرض ، باطنها كظاهرها، مدينة بأعلاها ، ومدينة بأسفلها ، تشقها تسعة أنهار؛ للقصبة نهر ، وللجامع نهر ، وباقيها للبلد، وتجري الأنهار من تحتها كما تجري من فوقها، ليس فيها كظامة ولا كنيف، ولا فيها دار ، ولا سوق، ولا حمام، إلا ويشقه الماء ليلا ونهارا دائما أبدا، وفيها أرباب دور قد مكنّوا أنفسهم من سعة الأحوال بالماء ، حتى إن مستوقدهم عليه ساقية ، فإذا طبخ الطعام وُضع في القصعة ، وأُرسل في الساقية ؛ فيجرف إلى المجلس فيوضع في المائدة، ثم ترد القصعة من الناحية الأخرى إلى المستوقد فارغة، فترسل أخرى ملأى ، وهكذا حتى يتم الطعام. وإذا كثر الغبار في الطرقات أمر صاحب الماء أن يطلق النهر على الأسواق والأرباض فيجري الماء عليها، حتى يلجأ الناس في الأسواق والطرقات إلى الدكاكين ، فإذا كسح غبارها سكر الساقياني أنهارها ، فمشيت في الطرق على برد الهواء ونقاء الأرض، ولها باب جبرون بن سعد بن عبادة ؛ وعنده القبة العظيمة والميقاتات لمعرفة الساعات ، عليها باب الفراديس ليس في الأرض مثله ، عنده كان مقرِّي، وإليه من الوحشة كان مفرِّي ، و إليه كان انفرادي للدرس والتقري ، وفيها الغوطة مجمع الفاكهات، ومناط الشهوات ، عليها تجري المياه، ومنها تجنى الثمرات...) انتهى.

وإنك لتعجب أشد العجب أين هذا الجمال وفيض الأنهار وجمال الطبيعة الأخّاذ ، كيف اختفى رويدا رويدا حتى لم يبق الا بعض الشواهد التي تدل على أن روعة الخلق مرت من هنا ، لكن يبدو أن النفوس تغيرت والأعمال تبدلت والله يقول: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 53].

وأخيرا ندعو الله سبحانه بأن يحفظ  دمشق وعواصم الاسلام ويرد لها جمالها ورونقها اللهم آمين .



تركي عيسى المطيري

٦رمضان ١٤٤١

٢٩ابريل ٢٠٢٠

الجمعة، 17 أبريل 2020

ثلاث أفكار دعوية للأسرة في رمضان



من خلال تجاذبي أطراف الحديث مع كثير من الزملاء والأصحاب أجد لديهم ( تقصير دعوي ) اتجاه أسرهم. 
وللأسف أن الكثير منهم يعتمد اعتمادا كليا على ذاته في تفعيل أي نشاط ، لذلك يتعطل أي مشروع دعوي في الأسرة في حال انشغاله أو سفره .
وأريد لفت انتباه كثير من الدعاة أن لهم في سياسة التفويض ( الفعّال ) مندوحة إن لم تسعفهم أوقاتهم في إنجاز مهامهم الدعوية في أسرهم .
فأي مشروع تعزم القيام به بإمكانك تجزئته ثم إعداد قائمة بأسماء من يستطيعون مساعدتك في انجازه ، سواء كانت القائمة تتكون من شخصين أو أكثر ، ولا يشترط أن تكون القائمة عامرة بالأسماء كما أنه لا يشترط أن يكون العمل ضخما تنوء به العصبة مما يؤدي لتعطيل الأعمال كل مرة بالكلية ، فإنه ما لا يدرك كله لا يترك جله .
وإليك ثلاثة مشاريع رائعة ، وستكون انجازا عظيما لك لو استطعت الإتيان بها خلال هذا الشهر الكريم وسنوضح من خلال عرضها كيفية تقطيع العمل أو المشروع لعدة أجزاء مستقلة ، تستطيع من خلالها توزيع الأدوار على أفراد أسرتك :


المشروع الأول ( همتي في ختمتي ) :
يشتكي في الغالب أفراد الأسرة من عدم تمكنهم من ختم القرآن الكريم خلال الشهر الفضيل ، فالزوجة مشغولة في النهار في إعداد الطعام ، وفي المساء في استقبال الضيوف أو شغل آخر يشغلها ، وكذلك الأبناء ففي المدرسة نهارا شغلا كافيا وفي المساء تبتلع برامج الأطفال التلفزيونية غالب وقتهم ، وإن فضل وقت لهم فللدراسة ، أما الزوج فبين العمل وزيارة الأصحاب ، وللأسف أن هذا هو حال كثير من الأسر وكل عام تجدها تعد بأنها ستتغير ولكن للأسف ليس ثمة نتيجة تذكر !
فلا بد من إتباع عدة خطوات قبل دخول الشهر الكريم ، نلخصها بهذه النقاط :
1- يبدأ بحملة إعلامية بين الأسرة لمشروعه ويكون العرض مشوقا كأن يختار القائم بالمشروع شعار لمشروعة كما سمينا هذا المشروع مثلا ( همتي في ختمتي ) وأن يعقد لأهل البيت جلسة خاصة يوضح فيها فضل ختم القرآن وطرقه ...الخ
2- وضع خطة افتراضية للختمة ولكلٍ حق التغيير عليها حسب ما يتفق مع ظروفه الخاصة ، كأن يقترح أن يقرأ كل فرد قبل كل فريضة وجهين من كتاب الله وبعد الفريضة وجهين فسيكون المجموع في اليوم قراءة جزء تقريبا وبذلك سيختم خلال شهر .
3- إيجاد روح التنافس بين أفراد الأسرة بحيث يطبع لكل فرد مشارك جدول فيه مربعات تكفي لختمتين كل ختمة مربعاتها مستقلة ويطبع في أعلى الصفحة اسم الفرد وشعار يختاره لنفسه يحثه على المواصلة ، كأن يختار شعار (الإنجاز هدفي ) ، ويقوم الفرد من الأسرة بتعبئة هذه المربعات إما بتضليلها أو بوضع ( استكرات ) نجمة في كل مربع بعد كل جزء تتم قراءته .
4- يقوم صاحب المشروع بحث المتسابقين من أفراد الأسرة على المواصلة وإشعال روح الحماس بينهم بين الفينة والأخرى ، وينبغي عليه أن يراعي أن يكون قدوة للمتسابقين وإلا ستكون الاستجابة ضعيفة.
5- يقوم بحفل تكريم بسيط لمن أنجز الهدف .
لتطبيق المشروع:يقوم صاحب المشروع بتجزئة المشروع كأن يوكل لفرد بإحضار كتاب يتكلم عن فضائل القرآن وجمع ما هو مهم ويخص المشروع ، ويوكل لآخر بطباعة الجداول ، ويوكل لثالث أن يأتي ( بالاستكرات ) لاستخدامها في الجداول ، وسيكون دوره إدارة المشروع فقط ، و في بعض الأحيان يكفي منه أن يلقي الكلمة ولو عبر جهاز الهاتف لأفراد أسرته ، في حال سفره أو انشغاله !
المشروع الثاني: خاطرة رمضانية
يقوم الداعية بإعداد ثلاثين خاطرة بسيطة لا يتجاوز الوقت الذي تستغرقه الخمسة دقائق ، و في الكتب المنتشرة في المكتبات عن الدروس الرمضانية غنية لمن عجز عن تحضير هذه الخواطر ، وكم هو جميل لو وزّعت هذه الخواطر على أفراد الأسرة بحيث يكون على كل فرد قراءة خاطرة يوميا خلال اجتماع العائلة ، كما أنه لا ينبغي التكلف للاجتماع حتى لا يتسبب بالضغط النفسي لأفراد الأسرة ، فمن المناسب جدا أن تكون الخاطرة قبيل الإفطار والعائلة جالسة على سفرتها أو ما شابه ذلك من الأوقات غير المستغلة .
المشروع الثالث: سهرة عائلية
وهو أن تختار الأسرة يوم من أيام الأسبوع تجتمع فيه ، ويحتوي هذا السمر على مسابقات وتوزيع بعض الحلوى على المتسابقين كما يحتوي على بعض القصص من الوالدين أو الجد أو الجدة والتي تعرض في طياتها ذكرياتهم في رمضان .

ويراعى في السمر العائلي تقسيم الأدوار بين أفراد الأسرة ، فمنهم من يعد أسئلة المسابقة، ومنهم من يتكفل بتهيئة المكان، ومنهم من يتكفل بإعداد الطعام أو المشروبات...الخ
كما أنه من الضروري إبلاغ أفراد الأسرة بمواعيد وأوقات السمر مبكرا حتى يتسنى للمشاركين ترتيب أوقاتهم لحضور هذا السمر العائلي.
هذه ثلاثة مشاريع بسيطة تجمع بين التنمية الإيمانية والتنمية الثقافية وفن استغلال الوقت ، ولكل قارئ اقتراح مشاريع أخرى أو تجارب ناجحة استطاع من خلالها انجاز اهدافه الرمضانية والله الهادي لسواء السبيل .

تركي عيسى العبدلي

الأحد، 12 أبريل 2020

أسباب رجوع المفتي عن فتواه





أسباب رجوع المفتي عن فتواه




منذ بدء الخليقة لم يكن الكمال لمخلوق، ولم يتسم​ به إنسان، والمعصوم من عصمه الله، والناس تتفاوت مراتبهم قرباً من الكمال وبعداً، ولا شك أن العلماء الربانيين يحتلون المراتب المتقدمة نحو الكمال، ولكن لم يكن ذلك كافياً في عصمتهم؛ لاسيما فيما يعلّمون الناس من علوم شرعية، وما كان ذلك إلا للقصور البشري الذي خلق الله الناس عليه، ولاختلاف طبائعهم ومستوى الإدراك والفهم والاستنباط لديهم.
 وبين الفينة والأخرى نسمع أن ثمة عالماً تراجع عن فتوى ظلَّ يفتى بها ردهة من الزمن، وآخر غير في مستوى تشدّده في مسألة كان يأخذ أقصي اليمين فيها، وثالثاً نجده شدّد في مسألة كان يفتى بها بالتيسير، فتختلف أقوال العامة في هذا العالم أو ذاك؛ فتجد من يتهمه، وتجد من يبرر له، ولو أردنا من خلال النظر والاستقراء أن نستنبط العلة التي تجعل بعض العلماء يغير فتواه سنجد في الغالب أن ذلك التراجع له مسوغ معتبر شرعا ؛ سواء كان بالتشديد أو التيسير أو التفصيل.
 وأنا برأيي أن العالم الذي يُغيّر فتواه ليس ذلك بالضرورة دليلاً على ضعفه أو قصور علمه؛ لأن الإنسان -كما سبق ذكره- لم يُخلق كاملاً، بل إن صفات النقص والكمال تتجاذبه، بل هي ظاهرة صحيّة، ودليلٌ على أن هذا العالم يسير نحو الكمال وإن لم يبلغه، ولكن ذلك مشروط بأن يكون التغيّر تحت مظلة المبرر الشرعي المقبول.
ولقد حاولت حصر المبررات التي تدفع بالعالم لتغيير فتواه؛ فوجدتها تندرج تحت ستة مبررات من حيث العموم، وإن لم أجزم بذلك، لكن هذا ما أسعفتني به الذاكرة وأنا أخط هذه المقالة وهي كالآتي:
أولاً: تغير العرف: سواء أكان مرتبطاً بالمكان أم بالزمان.
فمثال تغير العرف بالمكان: كأن نقول إن أهل مصر تختلف عاداتهم وأعرافهم عن أهل العراق؛ ولعل أقرب ما يستشهد به ما حدث مع الإمام الشافعي رحمه الله؛ فإن أحد الأسباب التي غير بها اختياراته الفقهية: اختلاف العرف ما بين أهل مصر وأهل العراق؛ مما نتج عنه تحول كبير في مذهبه؛ فصار ينعت مذهبه في العراق بالقديم، ومذهبه في مصر بالجديد، وقد ذكر ذلك الإمام البيهقي رحمه الله في كتاب مناقب الشافعي حيث قال: «ثم أعاد تصنيف هذه الكتب في الجديد غير كتب معدودة؛ منها: كتاب الصيام، وكتاب الصداق، وكتاب الحدود، وكتاب الرهن الصغير، وكتاب الإجارة، وكتاب الجنائز؛ فكان يأمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد، ثم يأمر بتخريق ما تغير اجتهاده فيها، وربما يدعه اكتفاءً بما ذكر في موضع آخر».
ومن المؤكد أن العرف ليس السبب الوحيد الذي جعل الإمام الشافعي يغير فتاواه، لكن هو من الأسباب الرئيسة في ذلك.
وأما تغير العرف باختلاف الزمان فمثال ذلك: «ما روي عن مالك: إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول، أن القول قول الزوج، مع أن الأصل عدم القبض، قال القاضي إسماعيل: هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لا يدخل بأمرأته حتى تقبض جميع صداقها، واليوم عاداتهم على خلاف ذلك؛ فالقول قول المرأة مع يمينها؛ لأجل اختلاف العوائد» [الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص111، 112)].
ثانياً: تغير تصور المسألة في ذهن العالم:
والقاعدة تقول: (الحكم على الشيء فرع عن تصوره)، ومثال ذلك: قد يفتي العالم بجواز تناول بعض العقاقير الطبية؛ لأنه بالتجربة ثبت نفع هذه العقاقير، ولا يوجد مانع شرعي من ذلك، ثم يبدو للعالم أمرٌ يجعله يحرم تلك العقاقير؛ كأن يتضح له أن لها أثاراً جانبية مضرة تغلب على منفعتها، أو ينمو إلى علمه أن من مكوناتها ما هو محرم كالكحول أو مشتقات خنزير أو ميتة، ولم ترق حالة المريض إلى الضرورة التي تدفع العالم إلى القول بالجواز، فعند ذلك قد يغير العالم رأيه فيفتي بالتحريم بعدما كان يفتي بالحل.
ثالثاً: تغيّر قوة الدليل لدى العالم:
كأن كان يفتي بمسألة بالتحريم، ثم بدا له ضعف الدليل الذي كان يحرّم من أجله أو العكس؛ كما حدث مع الإمام أحمد في فتواه في حكم صلاة التسابيح؛ فقد جاء في المغني أن علي بن سعيد الرازي قال: «سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسابيح؟ فقال: ما يصح فيها عندي شيء. فقلت: عبدالله بن عمرو؟ قال: كل يرويه عن عمرو بن مالك - يعني فيه مقال -. فقلت: قد رواه المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء. قال: من حدثك؟ قلت: مسلم - يعني ابن إبراهيم - فقال: المستمر شيخ ثقة. وكأنه أعجبه». قال ابن حجر العسقلاني في أماليه: «فكأن أحمد لم يبلغه ذلك أولاً إلا من حديث عمرو بن مالك - وهو النكرى -، فلما بلغته متابعة المستمر أعجبه، فظاهره أنه رجع عن تضعيفه». [اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (2/43)].
أو مثلاً: بطلان قياسه على مسألة أخرى لانتفاء العلة المشتركة بينهما بعدما كان يظن تقاسمهما في العله.
رابعاً: الضــرورة:
وهي أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل العالم يغير فتواه فقد يجيز المفتي ما حُرّمَ لضرورة الحال، بل إن النص القرآني صريح في ذلك حيث يقول الله تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين [الأنعام: ١١٩].
خامساً: تغير الفتوى سياسة.
فالعالم قد يفتي ببعض الفتاوى تشدداً أو تساهلاً ما لم يخرج عن الإطار الفقهي العام لأسباب تمس الأمن الاجتماعي أو السياسي أو الديني ..... إلخ، ويقدّرها العالم الثقة الرباني.
ومن أمثلة ذلك: الحادثة الشهيرة التي جرت مع ابن عباس رضى الله عنهما؛ فقد ذكر الإمام القرطبي في تفسيره قال: «روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: (ألمن قتل مؤمناَ متعمداً توبة؟ قال لا، إلا النار، قال: فلما ذهب. قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة، قال: إني لأحسبه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً. قال: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك» وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح. اهـ.
 ولا أريد التوسع في هذه النقطة لحساسيتها الشديدة، ولأنه قد يساء استعمالها من قبل بعض طلبة العلم الذين لم يتمرسوا جيداً في فهم السياسة الفقهية.
سادساً: مجون المفتي:
وأتوقف قليلاً قبل الكتابة في هذا السبب؛ لأبرر ذكره حيث إنه سبب غير ممتنع نسأل الله تعالى العافية والثبات على دينه؛ لأن الإنسان لا يأمن على نفسه الفتنة ما دام هو في هذه الدنيا - وإن جرت العادة على أن كثيراً من العلماء قد حفظهم الله من الفتنة في الدين - فالله تعالى يقول:  ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: ٩٩].
وقد يكون من المناسب ذكر قصة احتضار الإمام أحمد رحمه الله تعالى و التي ذكرها الإمام ابن كثير في البداية والنهاية - دليلا على أن الإنسان لا يأمن على نفسه الفتنة - حيث قال: «وقد روي عن ابنه عبدالله، ويروى عن صالح أيضاً أنه قال: حين احتضر أبي جعل يكثر أن يقول: لا بعد لا بعد. فقلت: يا أبت! ما هذه اللفظة التي تلهج بها في هذه الساعة؟ فقال: يا بني! إن إبليس واقف في زاوية البيت وهو عاض على إصبعه، وهو يقول: فُتّني يا أحمد؟ فأقول: لا بعد، لا بعد ـ يعني: لا يفوته حتى تخرج نفسه من جسده على التوحيد» [البداية والنهاية (10/375)].
وقد ضرب الله تعالى مثلاً في كتابه للعالم الضال: ﴿واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين لأعراف: ١٧٥]  
فإذا ضَعُفَ جانب التقوى عند العالم أخذ بالرخص من غير دليل، وأصدر الفتاوى بالتشهي ، إما مجوناً أو لتحصيل منفعة دنيوية، نسأل الله العافية، وفي مثل هذا العالم قال العلماء: يُحجَر عليه؛ فالحَجْرُ لحفظ الأديان أولى  من الحجر لحفظ الأموال. نسأل الله الثبات على دينه إلى يوم لقياه.
ومن أمثلة ذلك: ما ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله في كتاب إرشاد الفحول قال: «دخل القاضي إسماعيل -يوماً- على المعتضد العباسي، فرفع إليه الخليفة كتاباً وطلب منه أن ينظر فيه، وقد جمع فيه صاحبه الرخص من زلل العلماء، فقال له القاضي المذكور -بعد أن تأمله-: «مصنف هذا زنديق»، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قال: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب».
وفي الختام أرجو أن أكون بهذه المقالة ساهمت ولو بنزرٍ يسير في توضيح هذه المسألة التي كثر حولها الحديث بين طلبة العلم خاصة وبين الناس عامة.
بقلم/
تركي عيسى المطيري

الاثنين، 6 أبريل 2020

بين غيرتين !

بين غيرتين !



لا شك أن الإنسان كتلة من المشاعر فهو يحب ويكره ، يغضب ويرضى ، يضحك ويبكي ...الخ، كما أن من تلك المشاعر الشعور بالغيرة.

والغيرة في نظري سلوك إيجابي إذا دفعت الإنسان للتحدِّي وتحصيل ما حازه غيره، والله عز وجل يقول: )وفي ذلك فليتنافس المتنافسون( [المطففين:26]. ولولا الغيرة ما تنافس المتنافسون، ولا نشأ التحدي بين كثير من الناس في حيازة قصب السبق .

وإلى هنا الغيرة جيدة، بل هي من الدوافع العظام لعمارة الأرض، إلا أن الغيرة في بعض الأحيان قد تكون مدمرة للغيور.. كيف ؟
عندما تدفع الغيرة صاحبها إلى قرع طبول الحرب على منافسه ، داعياً إلى إزالته من ميدان المنافسة بالكلية دون مبررات كافية أو أجوبة شافية .

فهؤلاء أخوة يوسف عليه السلام قالوا: ) لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ( [يوسف:8]، ولو دققنا في تعليلهم لوجدنا أنهم افترضوا تعليلاً خاصًّا بهم للنجاح لم يقله يعقوب عليه السلام، ليتهربوا من العلَّة الحقيقية والسعي الصحيح الذي يتطلب منهم وقتاً وجهداً لتحصيل محبة أبيهم، فكان أرحم حكم اتخذ في حق يوسف أن قال قائلهم: )لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ( [يوسف:10]، ولكونهم آثروا نجاح الغيرة المجردة من السعي في تجاوز الخلل الموجود في السلوك، أو تلافي الأخطاء في الحياة، واكتفوا ببعض أسباب الغيرة )وَنَحْنُ عُصْبَةٌ( كانت العاقبة للناجح الحقيقي ولو حاز الغيور بعض ملامح النصر الجزئي .

وهؤلاء بنو إسرائيل طلبوا ملكاً؛ فكانوا يظنون أن الله عز وجل لن يختار غير نخب المجتمع التي أفرزوها بمقياسهم النسبي، فلما أخرجها الله منهم لغيرهم قالوا: )أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ( [البقرة:247]، ولو أنهم آمنوا ورضوا وسعوا في منافسته في تقواه وصلاحه فليس ثمة مانع من أن يصطفيهم الله عز وجل أو يصطفي من ذراريهم في مواقف أخرى يفخرون بها ، لكن أيضاً كانت العاقبة والنصر والتمكين لطالوت، أما المناوئون له فاندثر ذكرهم وغاب في طيات الزمن.

فالغيرة ليست سلوكاً خاطئاً ، لكن الخطأ الحقيقي أن نساعد على نجاح الغيرة المجردة من السعي، ونهضم حق من كافح من أجل النجاح .

بقلـم/
تركي عيسى المطيري