الجمعة، 27 يوليو 2018

خواطر حول مهمة في ماليزيا

خواطر حول مهمة في ماليزيا

 (مقالة كتبتها قبل 6سنوات)



أقلعت بنا الطائرة من مطار الكويت في الساعة الثانية عشر ليلاً متوجهة إلى مطار كوالالمبور عاصمة جمهورية ماليزيا، والتي أصبحت - كما يقال - سحر الشرق، وكم كنت مشتاقاً لزيارتها؛ فهي الدولة التي كسرت قيد التخلُّف، وانطلقت تسابق الريح؛ تلحق بركب الحضارة والتطور؛ فلقد سئم شعبها - كما سئمت الكثير من الشعوب - من أن تعيش تحت تصنيف دول العالم الثالث.
لكن العجيب في هذه الدولة أنها اختارت هذا النهج على قلِّة مواردها الاقتصادية آنذاك، بالإضافة إلى أن الشعب الماليزي عبارة عن خليط من عدة عرقيات؛ فهو يحوي في تكوينه على نسبة كبيرة من الصينيين، والهنود، والملاويين، وغيرهم، كما أن الشعب فيه عدة ديانات؛ وإن كانت الديانة الإسلامية لها النصيب الأكبر، لكن يبدو أنه شعب يُحسن التفكير واتخاذ القرار، وهذا ليس بالجديد على هذا الشعب؛ حيث لنا في التاريخ شاهد لا يمكن تجاهله؛ فماليزيا هي من الدول القلائل التي لم يدخلها الاسلام بالسِّنان، بل دخلها بالفكر والحوار بواسطة التجار العرب؛ فاختارت الإسلام وهي تموج في بحر من الديانات الأخرى كالبوذية والوثنية وغيرها، وهاهي اليوم تشق طريقاً آخر للنجاح في بحرٍ من دول العالم الثالث مسجلة إنجازاً جديداً يضاف إلى إنجازاتها التاريخية.
حطَّت بنا الطائرة في مطار كوالالمبور في تمام الساعة الواحدة والنصف بتوقيت ماليزيا؛ فما إن وصلتُ الفندق حتى بدأت بترتيب أوراقي لحضور المؤتمر، وإجراء اتصالاتي لعمل لقاءات مع المختصين بالفتوى وشؤونها.
فالتقينا في صباح اليوم التالي برئيس مجلس الافتاء الدكتور عبد الشكور، وكان لقاءً مثمراً؛ عرفنا من خلاله منهجية الإفتاء المتَّبعة في المجلس، ومواعيد اجتماعها، وطرق إصدار الفتاوي الرسمية المعتمدة، ولقد فاجأنا عند إجابته على سؤال وجهته إليه عن مدى اهتمامهم باللغة العربية؛ حيث أجابني قائلاً: ان هناك خطة للدولة لتعليم اللغة العربية للشعب؛ بحيث تكون نسبة من تعلم اللغة العربية عام 2015م يقارب 10% ، وشرح لنا الوسائل المتبعة لتطبيق هذه الخطة؛ حيث أدخل تعليم اللغة العربية من خلال تعليم القران للتلاميذ في المدارس.
وتناول الحوار أشياء أخري كثيرة لو شرحناها لطال بنا المقام؛ حيث كان الحديث مع فضيلته مثمراً جدًّا.
وفي يوم آخر كان اللقاء - في المؤتمر- مع كثير من المختصين والمعنيّين بما يسمى لديهم بــ (الحلال)؛ وهو مشروع يقوم على مراقبة أساليب الذبح ونوعية الذبائح ومشتقاتها ومدى شرعيتها، كما استمعنا من خلال المحاضرات لبعض الحقائق العلمية والاجتهادات الفقهية التي اتسمت بحُسن العرض والتقسيم حول المنتجات الغذائية التي تحتوي على مشتقات حيوانية، كما كانت هناك محاضرة قيمة للدكتور هاني المزيدي من معهد الكويت للأبحاث العلمية.
وفي وقت آخر توجهنا الى مدينة "برتاجيا" لزيارة مؤسسة "جاكيم"، و"جاكيم" هذه عبارة عن مؤسسة ضخمة أشبه ما تكون بوزارة الأوقاف، وما كان يهمنا في "جاكيم" في الحقيقة هو قسم الإفتاء على وجه الخصوص، لكن قبل الولوج في حيثيات الاجتماع لا بد وأن نتكلم عن "برتجايا" تلك المدينة اللاورقية، وهي عبارة عن مدينة حكومية لا يستخدم فيها الورق؛ فهي مدينة نموذجية حقيقية لما سيكون عليه العالم مستقبلاً؛ إنها مجموعة من المؤسسات الحكومية الإلكترونيه البحتة، وهذه من عجائب هذه الدولة، كما أن من عجائبها التكنولوجية والتي أثارت استغرابي فعلاً وتساءلت: هل هناك من الدول من حذى حذوها فيه؟ ألا وهي تغطيتها لشوارع كوالالمبور بشبكة الانترنت؛ فأنت إن زرت كوالالمبور لست بحاجة للبحث عن شركة لتشترك بخدمة النت، ولا أن تبحث عن أحد المجمعات التجارية للحصول على الخدمة؛ فالإنترنت متوفرة سواء كنت تتجول في أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة ماشياً، أو كنت في سيارة الأجرة، أو في الباص؛ فالخدمة مجانية للكل!
نرجع لاجتماعنا في "جاكيم" حيث كان في استقبالنا أعضاء الإفتاء، فأطلعونا أثناء الحوار معهم عن وسائلهم للاتصال بالجمهور، وكيفية الإجابة عن أسئلة المستفتين والطرق المتبعة في ذلك، كما قمنا نحن من جانبنا بشرح مختصر لعمل إدارة الإفتاء في دولة الكويت مما أثار إعجابهم، واعربوا عن تمنيهم زيارتها والاطلاع مباشرة على عمل هيئة الفتوى ولجانها، وزيارة وحدة البحث العلمي.
وختمت زيارتنا باتفاق مع مفتي "جاكيم"  بشكل ودِّي أن نقوم بالتعاون العلمي بين إدارة الإفتاء في دولة الكويت وبين الإفتاء في "جاكيم"، وإن كنا نتمنى أن يتكلل هذا الاتفاق مستقبلاً ببرتكول بين البلدين يصب في مصلحة الإفتاء والارتقاء بوسائله.
وإلى هنا انتهت مهمتنا الرسمية في هذا البلد الاستثنائي بين الدول الإسلامية، والتي نود أن تحذو حذوها في التطور العلمي والتقني.
وفي الحقيقة كانت مهمة مميّزة، ودولة تتسم بالإنجاز والإرتقاء بمؤسساتها للأفضل ؛ حيث تشعر بقيمة الوقت والعلم والعمل في كل ناحية تزورها.
بقلم /
تركي عيسى المطيري

مدير إدارة الإفتاء

الخميس، 19 يوليو 2018

مهلا يا قوافل السياح









ستنطلق قوافل السياح بعد أيام قلائل تجوب الأرض ، وتقلع أسراب الطائرات متجهة إلى أقاصي الأرض ، فمنهم من يبحث عن المناظر الخلابة والأجواء الساحرة ، ومنهم من يفتش عن الأخبار الغريبة والعلوم العجيبة ، ومنهم من يبحث في عادات الأمم وتقاليد الشعوب ، حاملين معهم الأموال الطائلة عازمين على إنفاق أوقاتهم النفيسة وأعمارهم العزيزة في أصقاع المعمورة .

ولن أجعل من مقالي هذا حجر عثرة في طريقهم ، بل أقول سيروا على بركة الله ما لم تغشو منكرا أو تقولوا زورا ، ولكنني أريد أن أقول لكم كلمة ، تنفعكم ولا تضركم ، وتزيدكم ولا تنقصكم ، وتسركم ولا تحزنكم ، فيا ليتني أجد أذنا صاغية وقلبا واع لما أقول.

إن السياحة ليست مشروعا طرأ على الأمم من غير نظير سابق ، وليست اختراعا لم يعرف إلا في عصرنا ، بل هو قديم قدم وجود الإنسان على الأرض ، مذ رحلة آدم في بحثه عن حواء ، ولكنها ذات وجوه فمنها السياحة للمتعة وهناك السياحة الطبية وهناك السياحة الاقتصادية وكذلك السياحة الاستكشافية العلمية ...الخ

ففي الإسلام كانت السياحة الاقتصادية - والتي كان يقوم بها تجار المسلمين والاستكشافية والتي كان يقوم بها جغرافيهم ومؤرخيهم - أبرز أنواع الأسفار في عصرهم.

كما أن السياحة الترفيهية والاستكشافية أبرز أنواع السياحة في هذا العصر ، لكن للأسف أن النتائج هناك ليست كالنتائج هنا ، فؤلائك حرصوا أن يكونوا رسلا للإسلام حاملين همّ نشره بين الأمم ليخرجوهم من ظلمات الشرك والإلحاد إلى نور الإسلام ، متمثلين بقوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ).

 فهل تعلمون ماذا كانت نتائج سياحتهم وأسفارهم في أنحاء المعمورة ؟

 بأن الله أعطاهم بغيتهم فبارك الله لهم في مقصدهم الدنيوي وأغناهم من فضله ، ولكن العظمة كل العظمة بأنهم لم يكونوا صناع مال فحسب بل صناع حياة ، نعم لقد وهب الله الحياة الأبدية لأمم الأرض على أيديهم ، فهذه اندونيسيا أكبر دولة إسلامية من حيث السكان ما كانت لولاهم ، بل جنوب آسيا وعِدَّ من الدول فيها ما شئت ، وهذه أفريقيا لا سيما جنوبها كالزنجبار وساحل العاج وغيرهما كثير فهل تعتقد أخي القارئ أن هذه الشعوب لولا جهود هؤلاء في الدعوة - بفضل من الله عز وجل- كان لهم حظ من الإسلام ، هل تعتقد أن المسلمين آنذاك عقدوا الاجتماعات المطولة ، وعملوا ورش عمل لدعوة سكان هذه الدول أم إنه الدافع الإيماني لدى عامة المسلمين والذي دفع بأفرادهم بأن يقوموا جماعات وفرادى بإنقاذ البشرية من أوحال الكفر والضلال .

ألا ترغب أخي الحبيب - وكذلك أنت أختي الفاضلة - أن تكون من صناع الأمم والحضارات ، ألا توجد بين خلجات نفسك تلك الجذوة الإيمانية التي لو نفخت فيها قليلا لأضاءت دروب البشرية ؟

اعلم أن القصر الشامخ ، والصرح العظيم ، والسد المنيع ، إنما يبدأ بنيانه بتلك الطوبة الصغيرة التي يضعها العامل على الأرض مؤذنا بها بداية العمل ، ألا تود أن تكون صاحب تلك الطوبة حتى تغمر نفسك ببحور الحسنات؟ 

ألم يقل نبيك صلى الله عليه وسلم (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا) ؟

ألا تريد أن تغسل حياتك من الذنوب المتراكمة والخطايا المتزاحمة بفيض من النور الذي وعدنا الله به على الصراط (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ؟ .

فيا أحبتي السياح إليكم ما جادت به نفسي من أفكار دعوية تكون من خلالها سائحا مسلما جامع بين رضى ربك ورضى نفسك ، بين الواجب الديني والنصيب الترفيهي فترجع من سفرك محملا بحسنات الأعمال لا أوزارها ، والدرجات العلى لابدركات الهاوية ، فأقول :

1- كن سفيرا لدينك قبل أن تكون سفيرا لبلدك ، فكثير من السياح يحرصون على سمعة بلدهم فتجدهم يتجنبون كثيرا من الأخلاق والسلوكيات حتى لايلصقوا ببلدهم صفة سيئة وهذا جيد بلا شك ، لكن الواجب على السائح أن يكون - مع ذلك - سفيرا لدينه، سفيرا للإسلام ، بأن يوضح للآخرين بأن ما يقوم به هو واجب شرعي قبل أن يكون التزام وطني .

2- احرص أن يكون معك بعض الكتيبات أو المطويات بلغة البلد التي تزمع السفر لها ، لتيسر لك سبيل الدعوة وتكسر حاجز اللغة والذي قد يعيقك في الدعوة.
 ليس بالضرورة أن تكون كتب أو مطويات مطبوعة بل يكفي أن تكون على جهازك النقال ليسهل نشرها لمن تواجهه من الناس.

3- حادثة مهمٌ ذكرها ، الـIPC لجنة للتعريف بالإسلام في الكويت ، لاحظت في إحدى العطل الصيفية بأن هناك إقبال شديد على موقعها من احد الدول الأوربية وهي بريطانيا ، وبعد التتبع وجدت أن السبب أن هناك فتاة لم يتجاوز عمرها الأربعة عشر ، قامت بوضع لافتة عليها عنوان سايدIPC ، فتارة تجول في الهايد بارك وتارة في الأسواق وتارة ...الخ مما لفت أنظار المارة فضلا على أنها كانت توزع العنوان على من ترى في الأماكن التي تجوبها مما دفع الفضول بالناس للدخول على هذا الموقع ! أفلا ترون أنها طريقة مجدية في الدعوة .

4- ما الذي يمنع من أن تجلس مع صاحب التاكسي والذي استأجرت سيارته طوال اليوم أو النادل في الفندق أو الذي يجلس بجانبك في ذلك القارب وأنت في رحلة بحرية ، أو تغدو على ذلك الرجل والذي جلس بمفرده يستمتع بالمناظر الجميلة على قمة جبل فتضيفه بكأس من عصير ليكون مفتاح الحوار بينكما ، أو تدعو مجموعة السياح للصلاة إن حان وقتها لاسيما إن كنت في بلد مسلم ، فتذهب لذلك الغربي الذي أخذ يلتقط لكم الصور وأنتم في صلاتكم لتشكره ! وتبين له معنى الصلاة في دينك .

5- أن تلجأ لله بالدعاء بأن تكون مفتاح خير على هذه الأمة وداعية هدى ومبلغ للرسالة التي اصطفانا بها الله تعالى وجعلنا أمة وسطا ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (أن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه ، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه) فمن عزم على الخير وهداية الناس لاشك بأن مفاتيح الخير على يديه بعون من الله تعالى .

والآن فلتنطلق ركائبكم بحفظ ربكم، وأسأل الله الباري أن يحفظكم في حلكم وترحالكم، وترجعون لدياركم سالمين غانمين من خيري الدنيا والآخرة.

بقلم : تركي العبدلي


السبت، 17 يونيو 2017

رمضان شهر التغيير

التغير للأفضل شيئ مدهش !
فرمضان شهر التغيير للأفضل في الذات والأسرة والمجتمع .. ما الدليل على ذلك ؟ ..وكيف يكون التغيير ؟... نماذج من السلف ومن المعاصرين صنع التغيير منهم رموزا تحتذى ...


السبت، 4 مارس 2017

بنيتي... الذئبة لا تعرف الوفاء


بنيتي... الذئبة لا تعرف الوفاء


تركي المطيري

الناس مختلفون في طبائعهم وسلوكياتهم ، وكان هناك رجلا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ، شهما كريم الخصال يحب الخير للناس يأوي الضعيف ويكرم الضيف ويعين على نوائب الحق ، فكم من مكلوم لجأ إليه وكم من جائع قاسمه رغيفه وكم من مظلوم رفع عنه مظلمته ، وإن كان كل ذلك ليس بعجيب ، فكثير من الناس يقاسمونه هذه الصفات وإن قلّوا في هذا الزمان. 

ولكن العجيب في أمره أنه في ذات يوم دلف في حماه ذئبة مسعورة كريهة المنظر خبيثة الرائحة ، فلما رأها عرفها فكم أتلفت له من شاه ، وكم أراعت له من راع ٍ ، فتلمس بندقيته مسرعا ليصوبها إلى قلبها وينهي مأساة تأذى منها طويلا ، لكنه فجأة تمهل ورفع يده عن الزناد لأنه استنكر من حركاتها الخمول ومن نظراتها الإنكسار ، فأخذت الذئبة تتقدم له بخطوات فيها الخور حتى سقطت أمامه ، فمرّر نظره على جسدها فإذا هي مكلومة مثقلة بالجراح فاستشعر هذا الشهم أن الذئبة تستغيث معاني الكرم والشهامة فيه ، وكذلك يشعر من كان صادقا في أخلاقه غير متصنع بها . 
فبادر بعلاجها ووضع الدواء على جراحها ، وما إن شفيت حتى ولت هاربة متلبسة بأخلاقها الوضيعة والتي لا تعرف الشكر أو الوفاء . 

ثم مضى دهر فإذا بالذئبة تعود من جديد حاملة جروها بين أنيابها ملقية به أمام هذا البدوي فعرف أنها أعادت الكرة بالطلب ، فكان كما عهدته الذئبة ! 

و كل هذا كان يقع على مرأى ومسمع من طفلة هذا الرجل ، ولسذاجة الطفلة ظنت أن الذئبة تعرف رد الجميل وتحمل وفاء كلب الغنم ، فهي مقاربة لها في الشكل والخلقة ، فجاءت على حين غرة من أبيها تداعب جرو الذئبة لعلها تتخذه صديقا وفيا ، فإذا بالذئبة تدفع جروها بيديها لتشويه الطفلة بمخالبه أو تقطيعها بأنيابه ، فتدارك الرجل ابنته وأخذ يعدو لها مسرعا لا يلوي على شيء حتى ضمها على صدره قائلا لها ( لم يا ابنتي ألا تعرفين أنها ذئبة ؟ ) فقالت له بنيته ( ولكنك أحسنت إليها يا أبي ؟ ) فرد عليها قائلا :( أيه... بنيتي الذئبة لا تعرف الوفاء ) . 

تتباين ردود أفعال الناس حيال هذه القصة ، فمنهم من يرمي هذا الرجل بالغباء !ومنهم من يتخذ موقفا مغايرا لذلك بأن هذا الرجل وضع الأمور في نصابها فساحة المعركة القائمة على التحدي والبقاء تختلف عن ساحة التعامل مع الجريح المكلوم المستجدي العطف والنجدة ، ولعل البعض الآخر يذهب إلى أن هذا الرجل على حق إلى أن تعدت على إبنته فكان يجب أن يتخذ موقفا حاسما مع عدوه اللدود ، وعلى كل نهاية القصة تركت مفتوحة والمهم فيها هو هل نبذل المعروف لمن لا يحفظه ؟ 

فكثير من الناس ينتظرون سداد فواتير جمائلهم التي يسدونها تجاه الناس -كما هو حال الطفلة- حتى إذا ما جُحِد جميله صُدِم من واقعه ، فحقر مجتمعه ، وأرسل رسائلا سلبية للناس بأن بذل المعروف غير لائق في هذا الزمان ، وبعدد ما تتكرر هذه المواقف المشينة في المجتمع بقدر ما تهبط أسهم المعروف وترتفع وتيرة اللؤم ، ويصبح المثل المحتذى به في المجتمع قول الشاعر :

وزهدني في كل خير صنعتهإلى الناس 
ما جربت من قلة الشكر 

في الحقيقة أنا شخصيا مررت بكثير من مواقف نكران الجميل ، وكم مرة صار معروفي على البعض سُبّة عليَّ حتى يتملصوا من رده ، غير أنني لم أكتب لأشرح موقف هنا أو أذكر جميل هناك ، ولكن أردت من مقالتي هذه أن نحدد موقفنا من بذل المعروف وهل نمتنع عنه ان صادفنا من لا يعرف رد الجميل متمثلين بقول الشاعر : 

ومن يجعل المعروف في غير أهله... 
يكن حمده ذما عليه ويندم

أم نتمثل بشخصية الأعرابي آنف الذكر و نبذل المعروف للقاصي والداني ؟ 

اسمحوا لي يا سادة أن أتكلم من وجهة نظري الخاصة والتي قد اختلفت مع الكثيرين حولها وهي أن بذل المعروف من باذله - غير المتصنع له وهو سجية من سجاياه وخصلة حميدة مفطور عليها –كالنهر الجاري و الذي يَرِد عليه أصناف المخلوقات وتحيا به الخلائق فلا تحده أطر ،ولا يعكره حجر رماه فيه من شرب منه، ولا ينجسه شيء حيث أنه فاق القلتين كثرة ووفرة ! 

فإن المستعرض لسير المصلحين في التاريخ سيما الأنبياء والمرسلين وعلى رأس الهرم نبينا عليه الصلاة والسلام يتجلى له الدليل واضحا من أقوالهم وأحوالهم . 

واعجبني إلماحة أمنا خديجة رضي الله عنها لما قالت لنبينا صلى الله عليه وسلم : ( كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتحمل الكل وتصل الرحم وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق ) ، حيث ربطت جزاء معروفه بالله تعالى ولم تتوقف عند الفهم القاصر لدى كثير من الناس وهو طلب عاجل الجزاء. 

ولاشك بأن رد الجميل والوفاء في ساعة العسرة ، ذا طعم خاص في نفس باذل المعروف ، غير أن هذا الرد غير مقصود لذاته ، فمتى تَنَكّر من بُذِل له المعروف لا يثني باذله عن خلقه وسجيته وطبعه ، ولا يمن ببذله ، لأن كلا الطرفين بذل ما يمليه عليه ضميره وكل إناء بما في ينضح . 

بل إن من كمال الطبع وحسن السجية عدم التشوف لرد الجميل وأن نجعل جميع أعمالنا وتصرفاتنا كلها خالصة لله تعالى متمثلين بقوله تعالى (يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الذي فطرني، أفلا تعقلون ) . 

وقوله تعالى :(إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)

 ولا ريب أن الإطعام وهداية الناس من أعظم أنواع المعروف والجميل المبذول ، ومع ذلك وصف الله تعالى عِلْية القوم من المؤمنين أنهم يتعففون عن رد جميلهم فضلا على أن يتشوفوا ولو لكلمة شكر على معروفهم . 

والشاهد من ذلك كله - ولعدم الإطالة - أنه ينبغي علينا أن نترفع عن ترك الخصال الحميدة بحجة أن الواقع يفرض علينا ذلك ، وأن نتأسى بمن هم أسوة لنا في الحقيقة ، لا ما يفرضه علينا بعض المجتمعات من نماذج محبطة غير سوية في قراراتها ، فالله تعالى يقول (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ) . 

ونرد على شاعرهم وبيتهم آنف الذكر بقول الشاعر :

 يد المعروف غنم حيث كانت ..
تحملها شكور أو كفور...

ففي شكر الشكور لها جزاء..
وعند الله ما كفر الكفور ..

وقد قال بعض الحكماء : لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره فإنه يشكرك عليه من لا تصنعه إليه ، وقال بعضهم : اصنع المعروف إلى كل أحد فإن كان من أهله فقد وضعته في موضعه , وإن لم يكن من أهله كنت أنت من أهله . 
وقد قال حكيم الحكماء نبينا عليه الصلاة والسلام : (صنائع المعروف تقي مصارع السوء ) . 

كما أن بذل المعروف مجلبة لمحبة الله تعالى ورضوانه فرسولنا يقول (أحب الناس إلى الله عز وجل أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً ). 

فجعل مطلق المنفعة لجميع الناس من المقربات لله تعالى ، وخص المجتمع المسلم بخصائص تأكيدا على وحدة نسيجه ، وبأن له الأولوية في المعروف كما هو في الأثر سالف الذكر. 

فمن عمل عملا لايرجو فيه إلا الله تعالى فلن يخذله الله عز وجل كما فهمت أمنا خديجة رضي الله عنها ، أما من كان يرجو من الناس جزاء أوشكورا فقد عرض بضاعته في سوق البشر فقد يربح وقد يخسر وهو للخسران أقرب . 

أخوكم 
تركي المطيري
مقالات في الصميم

السبت، 11 فبراير 2017

مفاتيح الخير


[مفاتيح الخير ]


هناك فئة من النّاس اعتقدَتِ اعتقادًا خاطئاً، ركِبَتِ الصَّعبَ من خلاله،

وأخذت طريقاً بعيدًا في انجاز أعمالها وأمورِها المناطةِ بها، فهي لا ترضى دون الكمال في كلّ شيء، زعمت!!، وفوق ذلك متابعةٌ وتدقيقٌ على كلِّ جزءٍ، مهما كان صغيراً في كل مشروع علمي أو دعوي يحاولون القيام به ، حتّى أفْنَتْ عمرَها، ولم تنجِزْ شيئًا يُذكر.

وممّن عرفته - وهو على شاكلةِ من ذكرتُ آنفًا-: رجلٌ أفنى زهرة شبابِهِ وبعضًا من مشيبِهِ في طلب العلم، وقراءةِ الكتب، والاتصالِ بأهل العلم، طلبًا للفائدة، واستفتاءً دقيقًا فيما يُشكل عليه، لكنني كُلَّما قلتُ له: اكتب كتابًا، أو مقالاً، أو أقِمْ درسًا للعامة ، قال: ليس الآن، فما زِلتُ دون ذلك، وانا أعلم علمَ اليقين انه شبَّ عن الطَّوْق.


وفي ظنِّي انهُ مخطِئٌ في مسيرتِهِ، مجانِبٌ للصّواب في قراره، فساعَةُ الزّمن لا تنتظر، وكلُّ دقيقة تمضي لا تعود أبداً، وفناءُ العمرِ في بابٍ واحدٍ مِن الخير تضييقُ واسعٍ .


بل ينبغِي ان يكونَ المؤمِنُ زرّاعًا ماهرًا، يعطِي كلَّ أرضٍ ممَّا عندَهُ مِن الخير بحسَبِها، فتراه يعلِّمُ مَن دونَهُ، ويتعلّم ممّن فوقَه، ويأمُرُ بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويَقْبَل بالخير مِمَّن يدلُّهُ عليه، عملُهُ دؤوبٌ في ليلِهِ ونهارِه، يتقرَّبُ الى الله ولو بشق تمرة ، ويُطلب رضاه ولو بكلمهِ، لا يركب بطبعه العسيرَ، ولا يعسِّرُ اليسيرَ، يظُنُّ في كلٍّ خيرٍ - مهما كان صغيرًا- انه ربَّما يكون سببًا في دخولِهِ الجنّة.


 أَلَمْ تَدخُلِ امرأةٌ الجنَّةَ بسُقْيَةِ كلْبٍ؟!


 وآخرُ بازاحةِ غصْنِ شوكٍ عن طريق الناس يؤذيهم؟!!


 لا تستصْغِرْ نفسَكَ بهضْمِ رأيِكَ في أمْرِ برٍّ وتقوى، ولا تنثنِ عن دروبِ الخيرِ ما دُمْتَ قادرًا على سلوكها بعمل صالح ينفعك، ولا ترهبنَّكَ عِلْيَةُ القومِ ما دمت قادرًا على ان تمتطيَ صهوةَ الرَّأي والنّصيحة، فكلُّنا في وقْتٍ من الأوقات بحاجة الى ناصحٍ أمين .


أَمَا انقَذَ اللهُ المدينةَ في غزوة الأحزاب بمشورةِ سلمانَ؟!!

 وفي القومِ أبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ وعليٌّ وباقي العشرة رضي الله عنهم جميعًا..

ومِن جميل ما اتَّفَقَ لي، انه في يوم من الأيام كنتُ جالسًا في مكتبي، ودَخَلَ عليَّ رجلٌ أعرفه، من عامَّة النَّاس.. دخل عليَّ يستشيرني في أمرٍ يخصه ، فما ان جلس حتَّى دخل عليَّ أحَدُ رجالِ الدَّعوة، ومن حَمَلَة الشَّهادات العالية، أحسبه -والله حسيبه- متفانيًا في دعوتِهِ، واصلاح النَّاس، فسلَّم علينا سلامًا حارًّا، غيرَ اني تعجَّبْتُ مِن ابتسامةٍ على محيَّاهُ غريبةٍ أثناءَ سلامِهِ على ضيفي.


فلمَّا انصرف الأوَّلُ سألتُ ذلك الدَّاعيةَ عن سبب ابتسامته؟


سكت قليلاً، ثمَّ قال: لقد هداني الله تعالى على يَدِ هذا الرَّجلِ - العامي- بكلمةٍ سمعتُها منه في مكانٍ عامّ قبل عشرين سنة، حيث حدثنا بحديث «السَّبعة الذين يظلهم الله في ظله»، ومنهم «شابٌّ نشأ في طاعة الله»، وكنت يومئذ في الثَّامنة عشر من عمري.

فما أتَمَّ هذا الداعيةُ حديثَهُ حتّى اقشعرَّ بدني من عجيبِ ما اتَّفق لي، ووالله ما زِلتُ أعجَبُ من سَذَاجَةِ موضوعِ ذلك الرَّجل العامي الذي جاءني يكلمني به ، كيف لا يشعر بانهارِ الحسنات الّتي تصبّ في صحيفتِهِ حيث كان سببًا في التزام ذلك الدّاعية؟!!.

أقول في آخرِ هذه المقالة: انفِقْ ممَّا تملِكُ، فليس بالضَّرورة ان تجمع مال الأولين والآخرين، ولا ان تحوز علمهم، فالرَّسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحقرَنَّ من المعروف شيئا».


كن مِفتاحًا للخير مما معك، فـ«انَّ هذا الخيرَ خزائنُ، ولتلكَ الخزائنِ مفاتيح فطوبَى لعبدٍ جعلَهُ اللهُ مِفتاحًا للخيرِ مِغلاقًا للشرِّ».


واصنعوا الخير دهرَكم، وتعرضوا لنفحاتِ الله لعلَّكم تُرحمون، فانَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِهِ، يُصِيبُ بِها مَنْ يَشَاءُ من عبادِهِ». 


أخوكم 

تركي العبدلي 

الأحد، 22 يناير 2017

قاط اذنه ..




هذه عبارة تقال في منطقة الخليج اذا استرق الشخص السمع من آخرين من غير أن يشعروا به ،  وهو يعلم أنهم يكرهون ذلك .

ولا شك أن هذا السلوك سيئ للغاية ، وأشبه بفعل الشياطين عندما تسترق السمع من ملائكة السماء ، كما جاءت به معاني نصوص الوحيين  .


فالإسلام يحترم الخصوصية ولا يرضى أن يخرمها أحد إلا بإذن شرعي ..


وقد جاءت النصوص تنهى عن مثل هذا السلوك القبيح ، بل جاءت نصوص بالوعيد على من تمثل به .


جاء في مسند الإمام أحمد بسند صححه الشيخ أحمد شاكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :


[من استمع إلى حديثِ قومٍ يكرهونه صُبَّ في أُذنيْهِ الآنكُ يومَ القيامةِ]


والآنك : هو معدن الرصاص 


فإذا كان هذا شأن السماع فقط فكيف بمن يسترق النظر لهواتف الآخرين وأوراقهم الخاصة وهو أشد في الأذية من سماع القول ؟؟!!.



هذه من خواطر المساء فطاب مساؤكم يا أحبه .. ..


أخوكم 

تركي العبدلي