الأربعاء، 23 ديسمبر 2020

امتحان الخلق بالخلق



 ( وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعْضٍ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصيرا )

كثيرا ما توقفت عند هذه  الآية بما حوت من معاني عظيمة جليلة ، حيث نصت على سبب رئيس من أسباب إصابة الإنسان بكثير من المحن ، وهو امتحان الناس بعضهم ببعض، ابتداء من الأنبياء وأذية قومهم لهم ، وانتهاء بأي خلاف بين اثنين .


تنوعت أساليب أئمة التفسير في تفسير هذه الآية  وكلها تصب في معين واحد وهي فتنة الخلق بالخلق كما يقول الإمام الطبري رحمه الله: (وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض) اتتهى.


فهناك صور كثيرة لهذا الامتحان فقد يكون  من جهة التسلط واستخدام النفوذ، من وجه لا تستطيع أخذ حقك بشكل مشروع ، كسلطة المسؤول الظالم على المرؤوس ، أو تسلط الزوج قليل المروءة على زوجته  أو العكس ، أو كتسلط بعض الأباء على أبنائهم أو أذية جار السوء لجاره أو بشكل عام هو الظلم الذي يكون بين الناس في حقوقهم المادية والمعنوية .


أو قد تكون الفتنة من جهة أخرى - غير تظالم العباد المذكور - كما يقول الإمام القرطبي وغيره رحمهم الله:


   (فَالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، وَالْغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وَالْفَقِيرُ الصَّابِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُخْتَبَرٌ)انتهى


ومنها أيضا ما نراه اليوم من انبهار كثير من الناس بشخصيات التواصل الاجتماعي (السوشل ميديا) وحياة الترف المصطنعة (للفاشنستات) والتي يخادعن بها السذج من النساء على وجه الخصوص .


ومنها أيضا فتنة البعض بالصور والمقاطع المرئية المحرمة.


ولعل سائل يسأل لم هذا الاختبار والفتنة مع الإيمان وصلاح الحال ؟


 يجيب على هذا التساؤل  الإمام ابن القيم رحمه الله حيث قال :

(فالفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب) اغاثة اللهفان.


لذلك يقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى (أتصبرون) : 


[ (هذا) خَاصٌّ للمؤمنين المحققين مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ] انتهى


أي من قوي إيمانهم وتحقق صدقهم وكمل صبرهم في تجاوز هذه الفتن العظيمة .


 لأن الصبر دواء الفتن حفظنا الله واياكم منها .


يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له، ومخلصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة.)اغاثة اللهفان انتهى


فالصبر عبادة تكاد تكون مهجورة عند كثير من الناس ، فتجده كثير الجزع والتسخط على كثرة صلاته و صيامه  وصدقته .


 ولعظمها رتّب الله عليها أجرا عظيما ، فتارة وصفهم بالفائزين قال تعالى (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) ويبدوا وصفهم بالفائزين لأنه قد بدا لهم في الدنيا أثناء بلائهم أنهم أقل شأنا من غيرهم، أو أنهم قد انكسروا لمن ظلمهم.


 وتارة بأن لهم السلام التام بعد الهم والغم و القلق والبلاء في الدنيا قال سبحانه ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما﴾ .


وتارة يذكر سبحانه مضاعفة الأجر لهم لصبرهم حيث كانوا يدرؤون بالإحسان فتنة الخلق لهم في الدنيا يقول سبحانه : (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون﴾ .


ويختم سبحانه الآية بقوله ( وكان ربك بصيرا) يقول القاسمي في محاسن التأويل أن في ختم الآية بهذه العبارة (زِيادَةُ تَسْلِيَةٍ وعِدَةٌ جَلِيلَةٌ) بمعنى (أيْ: هو عالِمٌ فِيما يُبْتَلى بِهِ وغَيْرُهُ فَلا يَضِقْ صَدْرُكَ. فَإنَّ في صَبْرِكَ سَعادَةً وفَوْزًا في الدّارَيْنِ.) انتهى.


هذا ما تيسر من نصوص العلماء وما يدور في خلجات النفس من معاني حول هذه الآية الكريمة العظيمة ، والتي تشكل منهجا عظيما في التعامل مع ما لا يسلم منه العبد غالبا من البلاء ، حفظني الله واياكم و هدانا الى صراطه المستقيم .

تركي عيسى المطيري 

Turky60@hotmail.com 





هناك 3 تعليقات:

  1. ما شاء الله ما أجملها من خاطرة جميلة
    أوجزت فأبلغت

    ردحذف
  2. اللهم امين جزاك الله خيرا ياشيخنا والله يحعلنا واياكم من الفائزين بنعيمه

    ردحذف