القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليهدي به عباده، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، وينظم حياتهم، ويلم شتاتهم ، ويرقى بعقولهم وأفكارهم.
﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ [طه ٢]
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء ٩]
فالقرآن باختصار هو دستور حياة، ورحمة للعالمين ...
لكن السؤال الذي يرد هل اتَّخذه (المسلمون) -فعلاً- لحياتهم دستوراً؟
إن الحديث عن قدسية القرآن هو في الحقيقة حديث عن واقع الأمة؛ لأنه لولاه لما كان هناك واقعاً مشرِّفاً لها! ...
ولو كان المقصود هو تقديس الأوراق والأحبار التي بمجموعها تشكل المصحف المطبوع -وهو مقدَّس بلا شك-، فلا أظن أنه مرَّ زمانٌ على أمَّة الإسلام اهتمت فيه بطباعة القرآن وتزيينه مثل هذا الزمان!
فاليوم -كما نرى- أوراقه مخملية، وأحباره ذهبية، والنسخ الفاخرة منه تملأ رفوف المكتبات الخاصة والعامة، بل ولا تكاد تدخل على موظف سواء كان مسؤولا أو موظفا عاديًّا إلا وتجده قد جَمَّل مكتبه بنسخة من كتاب الله الكريم؛ فهل هذه هي القدسية الحقيقية للقرآن؟!
إنَّ الصدر الأول من أهل الإسلام كانوا يكتبون القرآن الكريم على ما تيسَّر لهم؛ كعظام أكتاف الإبل، وبعض الجلود المدبوغة، ونحو ذلك، ولم يتكلَّفوا من أجل كتابته جلب أرقى أنواع الورق -البردي مثلاً من مصر-، ولم يتكلفوا اختيار نوع الحبر الذي سيكتب به - وإن كانوا قد قدسوه من جهة الكتابة حسب استطاعتهم - غير أنهم أقاموا له قدسية أخرى قد تكون في كثير من صورها غير متحققةٍ في زمننا هذا. أو نقول: لعلها نادرة الوجود...
ينبغي علينا أن نتساءل ونسأل أنفسنا .. لقد تقاطعنا مع الصدر الأول في مبدأ تقديس القرآن، بل ربما زدنا عليهم في شأن الكتابة والطباعة، وحلقات التحفيظ، والمسابقات الدولية التي تخرِّج الحفاظ.
بل وهذه الإذاعات والقنوات تتلوا آيات القرآن وتصدح بها في الليل والنهار ، فلم القوم نالوا العزة والكرامة وصاروا مهابي الجانب ونحن بخلاف ذلك ؟
لا شك أن هناك عدة إجابات تتبادر إلى ذهنك أيها القارئ الكريم، وأظن أنَّ من أهمِّها أنَّ السلف -رحمهم الله- كانوا يتلونه حق تلاوته؛ يقول الله تعالى: ﴿الذين آتَيناهُمُ الكِتابَ يَتلونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤمِنونَ بِهِ وَمَن يَكفُر بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الخاسِرونَ﴾ [البقرة: ١٢١]
فما حق تلاوته؟
* إن من حقِّ تلاوته: قوة الإيمان به والتصديق بوعده ووعيده، ولا يكون هذا في وقت الرخاء والسعة فحسب، بل يجب أن يكون حتى في أضيق الأحوال، وأعظم الأهوال؛ ﴿ولمَّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾ [الأحزاب: 22].
* ومن حق تلاوته: أن تكون تلاوته ديدن كل مسلم، وأن لا يهجر قراءته، فالسلف -رحمهم الله- على تفاوت مقدار الورد اليومي لكل منهم؛ فمنهم من يختم في شهر، ومنهم من يختم في أسبوع، ومنهم من يختم في ثلاثة أيام، بل ومنهم من يختم في ليلة، غير أنهم اتفقوا على أنه لا ينبغي أن يمر يوم دون تلاوته، وإعمار ليلهم بآياته، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾ [آل عمران ١١٣] ، وفي موضع آخر قال سبحانه: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾ [الزمر: ٩].
ونحن -للأسف- الكثير منا لا يخطر بباله ختم القرآن إلا من رمضان إلى رمضان، والله المستعان .
* ومن حق تلاوته: العمل به، والقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، والاستشفاء به، فالقرآن ليس -فقط- للتبرك به في افتتاح المؤتمرات والندوات والدورات، أو تزيين صدور المجالس ومقار العمل به. إن القرآن كان يمثّل بالنسبة للسلف الصالح منهج حياة، وسلوك فرد، وقواعد تضبط حياة المجتمع، فحبهم للقرآن وولعهم بترجمة نصوصه إلى أفعال جعل منهم قرآناً يمشي على الأرض، وقد قالت أُمُّنا عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان خلقه القرآن ) [رواه أحمد وصححه الألباني]، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: (كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نتعلمهن ونعمل بهن، ونعلمهن، ونعلم حلالهن وحرامهن، فأوتينا العلم والعمل) ، وفي موطأ مالك : أنه بلغه (أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها)، وعن مالك عن نافع عن ابن عمر قال : (تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزوراً).
فالعمل بالقرآن كان عندهم أولى من السرعة في حفظ ألفاظه.
لذلك القرآن جعلهم صادقين مع الله ومع أنفسهم ومع مجتمعهم، وجعل المسلم أخَ المسلم حقيقة لا ادِّعاء.
إنّ القرآن زرع بينهم الرحمة، وحسن الظن، وحسن المعاملة، فلا تجد أحدهم يظلم أخاه، أو يحقره، أو يغتابه أو يحسده، بل تجده يحافظ على حقوقه الحياتية والمالية.
والقرآن أزال الفروق الفئوية والطبقية التي بينهم؛ وجعل بينهم الألفة والمحبَّة والتواضع، وخفض الجناح للمؤمنين؛ فهل نحن كذلك اليوم؟
هذه الإجابات المختصرة وغيرها هي بمجموعها قدسيَّة القرآن الحقيقية التي أُخرجت من أجلها هذه الأمة لإصلاح نفسها، وهداية الأمم؛ ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
فينبغي علينا أن نعيد حساباتنا مع القرآن؛ فإنَّ وَضْعَ الدواء على المنضدة، ومدحه والثناء عليه من غير أن نتناوله لا يجلب العافية للمريض.
بقلم
تركي المطيري
25-7-2020
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق