الأربعاء، 29 أبريل 2020

دمشق بأعين أندلسية

من فوائد لزوم المنزل (٣)



حديثنا يا سادة عن مدينة دمشق ، وعندما نتكلم عن دمشق فإننا نتكلم عن أقدم عاصمة - في التاريخ - لحضارات متعاقبة الى أن صارت عاصمة دولة الاسلام أبان الخلافة الأموية ، بل يقال أن سبب تسميتها بالشام أنها سمِّيت على سام بن نوح ، فتاريخها أكبر من أن نلخصه بمقالة .

والكتب التي أُلفت في تاريخ دمشق كثيرة جدا ، ابتداءً من كتاب تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر - رحمه الله - وانتهاء بكتاب دمشق  لفضيلة الشيخ الاديب علي الطنطاوي رحمه الله .

لكن من الجميل أن نظفر بنص ليس في مظان البحث عن تاريخ المدينة ، حيث لا يجده كثير من الباحثين المهتمين بتاريخها.



والنص الذي أعنيه هو ما ذكره أحد علماء المالكية والذي زارها أيام طلبه للعلم ، فأخذ يصفها وصفا دقيقا رائعا شيقا ، حيث تقرأ ما بين سطور عباراته ذلك الإعجاب المفعم بالعشق بكل تفاصيلها .

ومما أحزنني أني زرتها قبل ثلاثة عشر عاما  أوتزيد وبرغم إعجابي بها غير أني لم أشاهد عُشْر ما ذكر في هذا النص -بل أقل!- بسبب تغير الظروف البيئية والتطور العمراني ونضوب كثير من الأنهار، وهو ما أسِفَ عليه الشيخ علي الطنطاوي في كتابه الشهير الذكريات ، حيث أسهب في ذكر تَغَيُّر مدينة دمشق عما كانت عليه في سالف الأزمان.

والآن ننتقل للنص الرائع والذي يصف فيه الكاتب كيف كانت هذه المدينة في القرن الخامس الهجري ، حيث يقول الإمام ابن العربي المالكي - رحمه الله - وهو القادم من جنان الأندلس وأرياف فاس الساحرة والتي يتصاغر أمامها كل جمال إلا جمال دمشق ، الذي لم يتمالك هذا العالم المالكي أن يبوح بدهشته منها في كتابه أحكام القرآن .



يقول ابن العربي أثناء ذكره لخلاف المؤرخين أي المدينتين كانت موطنا لقبيلة عاد دمشق أم الاسكندرية  :

( ... وتحقيقها أنها دمشق ، لأنها ليس في البلاد مثلها. ...وإليها أوت مريم، وبها كان آدم، وعلى جبلها دم هابيل في الحجر جار لم تغيره الليالي ، ولا أثرت فيه الأيام، ولا ابتلعته الأرض ، باطنها كظاهرها، مدينة بأعلاها ، ومدينة بأسفلها ، تشقها تسعة أنهار؛ للقصبة نهر ، وللجامع نهر ، وباقيها للبلد، وتجري الأنهار من تحتها كما تجري من فوقها، ليس فيها كظامة ولا كنيف، ولا فيها دار ، ولا سوق، ولا حمام، إلا ويشقه الماء ليلا ونهارا دائما أبدا، وفيها أرباب دور قد مكنّوا أنفسهم من سعة الأحوال بالماء ، حتى إن مستوقدهم عليه ساقية ، فإذا طبخ الطعام وُضع في القصعة ، وأُرسل في الساقية ؛ فيجرف إلى المجلس فيوضع في المائدة، ثم ترد القصعة من الناحية الأخرى إلى المستوقد فارغة، فترسل أخرى ملأى ، وهكذا حتى يتم الطعام. وإذا كثر الغبار في الطرقات أمر صاحب الماء أن يطلق النهر على الأسواق والأرباض فيجري الماء عليها، حتى يلجأ الناس في الأسواق والطرقات إلى الدكاكين ، فإذا كسح غبارها سكر الساقياني أنهارها ، فمشيت في الطرق على برد الهواء ونقاء الأرض، ولها باب جبرون بن سعد بن عبادة ؛ وعنده القبة العظيمة والميقاتات لمعرفة الساعات ، عليها باب الفراديس ليس في الأرض مثله ، عنده كان مقرِّي، وإليه من الوحشة كان مفرِّي ، و إليه كان انفرادي للدرس والتقري ، وفيها الغوطة مجمع الفاكهات، ومناط الشهوات ، عليها تجري المياه، ومنها تجنى الثمرات...) انتهى.

وإنك لتعجب أشد العجب أين هذا الجمال وفيض الأنهار وجمال الطبيعة الأخّاذ ، كيف اختفى رويدا رويدا حتى لم يبق الا بعض الشواهد التي تدل على أن روعة الخلق مرت من هنا ، لكن يبدو أن النفوس تغيرت والأعمال تبدلت والله يقول: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 53].

وأخيرا ندعو الله سبحانه بأن يحفظ  دمشق وعواصم الاسلام ويرد لها جمالها ورونقها اللهم آمين .



تركي عيسى المطيري

٦رمضان ١٤٤١

٢٩ابريل ٢٠٢٠

هناك 3 تعليقات:

  1. الله يحميها ويرجعها سالمة آمنة ويحمي بلدان المسلمين اللهم آمين...

    ردحذف
  2. ما شاء تبارك الرحمن
    اللهم احفظ بلاد المسلمين جميعا

    ردحذف