الاثنين، 30 مارس 2020

رد موجز على من قال أن وباء (كورونا) ليس جند من جنود الله سبحانه





انتشر مقالا لأحد الفضلاء يدعي بأن الوباء لا يقال عنه جند من جنود الله لأن النبي ﷺ سماه رجس ولأنه قتل الكثير من الصحابة رضي الله عنهم  وأطال وفصل في ذلك ، وفي ظني أن كاتب المقال جانب الصواب غفر الله لنا وله.

وأقول - والله أعلم- أن كل من هو نافذ فيه القضاء والقدر هو من جنود الله وبذلك فالخلق كله جنود الله حتى الكفار بل والحيوانات والجمادات والفايروسات ...الخ لكن يدخلون في مفهوم الجند العام لا الخاص والذي يُقصَدُ به الملائكة وعباده الصالحين.

 فنفهم من ذلك أنه متى سلط الله خلقا من خلقه بقضاءه وقدره على من يشاء كان جندا من جنود الله ، ولا يعني هذا اللقب (جنودالله) لقب تشريف على كل حال كما ادعى الكاتب ، بل وجعل ذلك سببا كافيا في نفي كون الوباء جند من جنود الله  .

أقول ليس بالضرورة أن كل لقب يقصد به تكريم وتشريف الموصوف به بدليل :

المثال الأول : أمم الأرض كلها برها وفاجرها الموحد والمشرك كلهم أمة محمد  ﷺ بدليل قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) وقوله  ﷺ  : والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار. رواه مسلم.

فقوله "من هذه الأمة" يقصد به أمة الدعوة حيث قسم العلماء أمة محمد ﷺ  الى أمتين أمة دعوة وأمة استجابة (١) ، وأمة الدعوة لا تكريم ولا تشريف لها إلا بدخولها في أمة الإستجابة .

كذلك جنود الله بمفهومه العام بأن كل من هو مقهور بالقضاء والقدر فهو من جنود الله لكن لا ندخل الرجس مع الطيب ولا الكافر مع الملائكة والمؤمنين فؤلائك استجابوا مرغمين بالقضاء وهؤلاء استجابوا لله بقضائه وبالرضا .

المثال الثاني : من حديث نواس بن سمعان رضي الله عنه حيث يقول الله سبحانه وتعالى عن يأجوج ومأجوج :(إنِّي قدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لا يَدَانِ لأَحَدٍ بقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إلى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) رواه مسلم.

فسمى يأجوج ومأجوج عبادا له بينما هم أكفر الناس حيث حاربوا نبيه عيسى عليه السلام و أيضا وجهوا سهامهم للسماء ويقولون قتلنا من في الأرض وسنقتل من في السماء .

ومع ذلك سماهم عبادا له كونهم مقهورين بالقضاء والقدر منفذين لما يشاء وهم يقينا لا يدخلون في عباده المؤمنين الذين قال فيهم ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾.

فجميع الخلق الظاهر منه المعلوم والمستتر المجهول كلهم من جنود لله سبحانه يسلط من يشاء على من يشاء لكنهم يختلفون في مقامهم عند ربهم سبحانه هذا رأيي والله سبحانه الهادي الى سواء السبيل .

أخوك تركي عيسى المطيري


(١)https://binbaz.org.sa/fatwas/9241/%D8%A7%D9%82%D8%B3%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85

السبت، 28 مارس 2020

الفرد الإيجابي والقيادة الذكية

*بقلم : تركي عيسى المطيري

كثير من المسؤولين ومدراء المشاريع، بل وحتى أرباب الأسر يقف حائراً أمام بعض السلبيات التي تبرز في بعض المرؤوسين، فيحاول جاهداً إزالة هذه السلبية، وينفق الكثير من وقته، وربما من المال المرصود للمشروع في إزالة السلبية.
وإن كان هذا جيداً غير أن هناك خطوة مهمة ربما توفر على القيادي كثيراً من العناء والوقت؛ ألا وهي استغلال السلبية بحيث نحاصرها ونجعلها في أصغر إطار ممكن، ومن ثم نعالجها، فإن أعظم خطر يُنتَظر من السلبية هو تأثيرها على  أفراد فريق العمل.
ولنأخذ مثالاً حيًّا لأعظم قادة الدنيا؛ وهو الرسول ﷺ ، ونَذْكر وجهاً من وجوه فن القيادة  لأفراد الدولة الإسلامية آنذاك، فالرسول ﷺ كان مكلَّفاً بتبليغ الأوامر الربانية، والحرص على أقامتها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، لكن ما موقف القائد إذا واجهه بعض أفراد فريقه بالاعتذار بأنه لا يستطيع القيام ببعض أوامره لسبب خَلْقي خارج عن إرادته؟
تروي لنا كتب السير والتراجم والسنن أن زوجة صفوان بن المعطل رضي الله عنه تقدمت بشكوى لدى النبي ﷺ  بأن زوجها لا يصلي الفجر مع الجماعة، ولا حتى في وقتها، فلما واجهه النبي ﷺ  بذلك اعتذر صفوان بأن هذا الأمر جِبِلِّيٌ ولا يستطيع مقاومته، ودلَّل على ذلك بأن عائلته مشهورة بهذا.
ونذكر هنا الشاهد من الرواية لأهميته:
قالت زوجة صفوان : «إن زوجي صفوان بن المعطل … لا يصلى صلاة الفجر حتى تطلع الشمس» -وبعد سؤال الرسول ﷺ  له قال صفوان- : «فإنا أهل بيت قد عُرِف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس». وفي رواية عند أحمد رحمه الله  «فإنِّي ثَقيلُ الرَّأسِ، وأنا من أهْلِ بَيتٍ يُعرَفون بذاك؛ بثِقَلِ الرُّؤوسِ» فقال له الرسول ﷺ : «فإذا استيقظت فصَلِّ» (1).
فصفوان رضي الله عنه ضرب في اعتذاره أروع الأمثلة للأفراد في طريقة الاعتذار عن المشاركة في المشروع؛ حيث إنه رتّب اعتذاره على ثلاثة مراحل كما سنذكر لاحقاً، فجاء الجواب مناسباً، والحكم -في القضية المختلف فيها بين الزوجين- واقعياً؛ حيث لا يصطدم مع طبيعة تكوين صفوان رضي الله عنه.
لكن القضية لم تنته عند القائد أو الفرد عند هذا الحل الآني، وإن كان حلاًّ ناجعاً للفرد، بل استطاعا أن يصنعا من هذه السلبية إيجابيَّة عظيمة، وأن تستغلَّ استغلالاً مناسباً.
ففي التفاتةٍ ذكيَّة من الفرد في استغلال (السلبية) قام صفوان رضي الله عنه بطلبٍ من القائد بجعله في مؤخرة الجيش والتي تسمى (الساقة)؛ فجيش النبي ﷺ  كان يعاني من مشكلة ألا وهي ما يسقط من متاع الجيش أثناء مسيره ليلاً أو في ساعات الفجر الأولى من رحيله، ولا يستطيع البحث عنها؛ إما لظلمة الليل، أو الخوف من فوات الجيش، فكان الحل الأمثل كما رآه صفوان –بكونه لا يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس- أن يكون في مؤخرة الجيش يلتقط ما يسقط من الجيش؛ فوافق النبي ﷺ ، ليحوِّل من السلبية التي كانت تؤرِّق الصحابي إلى ايجابية يحتسب من خلالها الأجر، وتقديم عملٍ إيجابيٍّ للمجتمع.
تقول الرواية : أن صفوان «سأل النبي ﷺ  أن يجعله على السَّاقة؛ فكان إذا رحل الناس قام يصلي، ثم اتبعهم، فمن سقط له شيء أتاه به»(2)، وفي رواية أخرى: «وكان صفوان يتخلف عن الناس؛ فيصيب القَدَحَ والجِرابَ والإِداوَةَ»(3)فكان الجيش يتوقف للراحة ليلاً، ويرتحل بعد الفجر، فإذا قام صفوان صلّى وتعقَّب الجيش والتقط ما سقط منه أثناء مسيره، ويكون عمله هذا سدًّا لثغر مهم من ثغور المسلمين، ولا ننسى أنه هو الذي كان سبباً في إنقاذ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعدما رحل الجيش عنها وهي تبحث عن عقدٍ فقدته في حادثة تعرف بـ (حادثة الإفك).
بعد هذا العرض نستطيع أن نلخص الحادثة على هذا النحو:

* موقف الفرد:
1) اعتذر عن نفسه شخصيًّا بأنه لا يستطيع القيام بهذا العمل في وقته، وبين أن السبب خارج عن إرادته .
2) ثم دلل على مصداقيَّة كلامه بأن الأمر لا يتعلق بشخصه فقط، بل إن هذا هو ما عليه الحال لدى أسرته.
3) ثم أورد الشهود إثباتا  لكلامه بأن أسرته تُعرَف بذلك في أوساط المسلمين.

* موقف القائد:
1) عدم التسرع في إتخاذ القرار؛ فليس كل معلومة (سلبية) عن فرد من أفراد الفريق تصل للقائد -ولو كانت صحيحة- ! تقتضي العقوبة.
2) الاستماع لمن تتعلق به السلبية، وإعطاؤه الفرصة الكافية للدفاع عن نفسه.
3) اتخاذ القرار المناسب الواقعي الذي يليق بحال الفرد.

 وأخيراً أرجو أن أكون قد أضفت معلومة مهمة ونكتة إدارية من أحاديث المصطفى ﷺ  .
ـــــــــــــــــ
 الهوامش:
(1) صحيح - صحيح أبي داود - الرقم: (2459).
ولا يظنُّ ظانٌّ أن هذه الرخصة من النبي ﷺ  لكل مفرط في صلاة الفجر ، إنما هي لصفوان رضي الله عنه لسبب خَلقي وليس من تفريط أو سهر  بدليل احتجاجه بأنها صفة مشهورة في عائلته.
(2) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: (15300).
(3) فتح الباري 8/350


الخميس، 19 مارس 2020

من فوائد لزوم المنزل (٢)

(٢) من فوائد لزوم المنزل



(الفوبيا وعم الامير أسامة بن منقذ)

الأمير عز الدين الشيرزي الذي قاتل بشجاعة وبسالة ، بل وكم من مرة غامر بعدد قليل من الفرسان في مواجهة جنود الخصوم، وله في ذلك قصص عجيبة ولكنه كان يعاني من فوبيا غريبة ، واليك القصة والتي يرويها ابن أخيه الأمير ابن منقذ في كتابه الإعتبار :


ومن عجائب القلوب ان الانسان يخوض الغمرات ویر کب الاخطار
ولا ير تاع قله من ذلك، ويخاف ما لا يخاف منه الصبيان ولا النسوان

ولقد رأيت عمي عز الدين ابا (۱) العساکر سلطان، رحمه الله، وهو
من اشجع أهله له المواقف المشهورة والطعنات المذكورة، وهو اذا راي
الفارة تغيرت صورة وجهه ولحقه کالز مع من نظرها وقام من الموضع
الذي يراها فيه


وكان في غلمانه رجل شجاع معروف بالشجاعة والاقدام اسمه صندوق
يفزع من الحية حتى يخرج من عقله. فقال له والدي، رحمه الله، وهو
واقف بين يدي عمي . یاصندوق، انت رجل جيد معروف بالشجاعة ما
تستحي تفزع من الحية؟» قال « يامولاي، واي شيء في هذا من العجب؟
في حمص رجل شجاع بطل من الابطال يفزع من الفارة ويموت» ۔ يعنی
مولاه.. فقال له عمی، رحمه الله قبحك الله يا كذا كذا.

محبكم
تركي العبدلي
turky60@hotmail.com 

من فوائد لزوم المنزل (١)



رجل واحد يهزم قوم في قلعة رفنية...!!

القراءة في كتاب الإعتبار لأمير قلعة شيزر في الشام
الأمير الشجاع أسامة بن منقذ رحمه الله وله عدة كتب وكان من سيرته أنه كان ينكر على أهله كثرة الترف والتوسع بالمباحات حتى تجاوزوها الى ما هو محذور .
 وفي يوم وهو راجع من الغزو وجد ان قلعته تهدمت بفعل زلزال وانتهت دولته فمكث أشهرا على أطلالها وألف في تلك الفترة كتابه الشهير ( المنازل والديار ) ثم رحل الى مصر وانضم لجيش صلاح الدين الأيوبي وكان من المقربين له.

  له عدة كتب مثل كتاب الاعتبار وكتاب العصى وغيرهما دون فيها ذكرياته وفيها عجائب غزواته و مشاهداته.

 وهذه اول قصة أسوقها لكم من هذا الكتاب : وهي بعنوان رجل واحد يهزم قوم في قلعة رفنية...!!

 يقول الامير اسامة بن منقذ حدثني الرئيس سهري ، وكان في خدمة الأمير شمس الخواص - التوناش صاحب رفنية وكان بينه و بين علم الدین علي کرد صاحب حماة عداوة وخلف، قال «امرني شمس الخواص ان اخرج اقدر بلد رفنية وابصر زرعه. فخرجت ومعي قوم من الجند فلما قدرت البلد. و نزلت ليلة عند المساء بقرية من قرى رفنية لها برج صعدنا الى سطحه تعشينا وجلسنا وخيلنا على باب البرج. فما شعرنا الا برجل قد اشرف علينا من بين شراريف البرج فصاح علينا ورمی نفسه الينا وفي يده سكينة فانهزمنا و نزلنا في السلم الأول وهو خلفنا، و نزلنا في السلم الثاني، وهو خلقنا، حتى وصلنا الباب. فخرجنا واذا قد رتب لنا رجالا على الباب فقضونا جميعنا واو ثقونا رباطة ودخلوا بنا الى حماة الى علي" کرد فما سلمنا من ضرب الرقبة الا بفسحة الأجل. فحبسنا وغرمنا، وكان الذي فعل بنا ذلك كله رجل واحد»

 محبكم تركي العبدلي
turky60@hotmail.com