الأحد، 12 أبريل 2020

أسباب رجوع المفتي عن فتواه





أسباب رجوع المفتي عن فتواه




منذ بدء الخليقة لم يكن الكمال لمخلوق، ولم يتسم​ به إنسان، والمعصوم من عصمه الله، والناس تتفاوت مراتبهم قرباً من الكمال وبعداً، ولا شك أن العلماء الربانيين يحتلون المراتب المتقدمة نحو الكمال، ولكن لم يكن ذلك كافياً في عصمتهم؛ لاسيما فيما يعلّمون الناس من علوم شرعية، وما كان ذلك إلا للقصور البشري الذي خلق الله الناس عليه، ولاختلاف طبائعهم ومستوى الإدراك والفهم والاستنباط لديهم.
 وبين الفينة والأخرى نسمع أن ثمة عالماً تراجع عن فتوى ظلَّ يفتى بها ردهة من الزمن، وآخر غير في مستوى تشدّده في مسألة كان يأخذ أقصي اليمين فيها، وثالثاً نجده شدّد في مسألة كان يفتى بها بالتيسير، فتختلف أقوال العامة في هذا العالم أو ذاك؛ فتجد من يتهمه، وتجد من يبرر له، ولو أردنا من خلال النظر والاستقراء أن نستنبط العلة التي تجعل بعض العلماء يغير فتواه سنجد في الغالب أن ذلك التراجع له مسوغ معتبر شرعا ؛ سواء كان بالتشديد أو التيسير أو التفصيل.
 وأنا برأيي أن العالم الذي يُغيّر فتواه ليس ذلك بالضرورة دليلاً على ضعفه أو قصور علمه؛ لأن الإنسان -كما سبق ذكره- لم يُخلق كاملاً، بل إن صفات النقص والكمال تتجاذبه، بل هي ظاهرة صحيّة، ودليلٌ على أن هذا العالم يسير نحو الكمال وإن لم يبلغه، ولكن ذلك مشروط بأن يكون التغيّر تحت مظلة المبرر الشرعي المقبول.
ولقد حاولت حصر المبررات التي تدفع بالعالم لتغيير فتواه؛ فوجدتها تندرج تحت ستة مبررات من حيث العموم، وإن لم أجزم بذلك، لكن هذا ما أسعفتني به الذاكرة وأنا أخط هذه المقالة وهي كالآتي:
أولاً: تغير العرف: سواء أكان مرتبطاً بالمكان أم بالزمان.
فمثال تغير العرف بالمكان: كأن نقول إن أهل مصر تختلف عاداتهم وأعرافهم عن أهل العراق؛ ولعل أقرب ما يستشهد به ما حدث مع الإمام الشافعي رحمه الله؛ فإن أحد الأسباب التي غير بها اختياراته الفقهية: اختلاف العرف ما بين أهل مصر وأهل العراق؛ مما نتج عنه تحول كبير في مذهبه؛ فصار ينعت مذهبه في العراق بالقديم، ومذهبه في مصر بالجديد، وقد ذكر ذلك الإمام البيهقي رحمه الله في كتاب مناقب الشافعي حيث قال: «ثم أعاد تصنيف هذه الكتب في الجديد غير كتب معدودة؛ منها: كتاب الصيام، وكتاب الصداق، وكتاب الحدود، وكتاب الرهن الصغير، وكتاب الإجارة، وكتاب الجنائز؛ فكان يأمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد، ثم يأمر بتخريق ما تغير اجتهاده فيها، وربما يدعه اكتفاءً بما ذكر في موضع آخر».
ومن المؤكد أن العرف ليس السبب الوحيد الذي جعل الإمام الشافعي يغير فتاواه، لكن هو من الأسباب الرئيسة في ذلك.
وأما تغير العرف باختلاف الزمان فمثال ذلك: «ما روي عن مالك: إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول، أن القول قول الزوج، مع أن الأصل عدم القبض، قال القاضي إسماعيل: هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لا يدخل بأمرأته حتى تقبض جميع صداقها، واليوم عاداتهم على خلاف ذلك؛ فالقول قول المرأة مع يمينها؛ لأجل اختلاف العوائد» [الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص111، 112)].
ثانياً: تغير تصور المسألة في ذهن العالم:
والقاعدة تقول: (الحكم على الشيء فرع عن تصوره)، ومثال ذلك: قد يفتي العالم بجواز تناول بعض العقاقير الطبية؛ لأنه بالتجربة ثبت نفع هذه العقاقير، ولا يوجد مانع شرعي من ذلك، ثم يبدو للعالم أمرٌ يجعله يحرم تلك العقاقير؛ كأن يتضح له أن لها أثاراً جانبية مضرة تغلب على منفعتها، أو ينمو إلى علمه أن من مكوناتها ما هو محرم كالكحول أو مشتقات خنزير أو ميتة، ولم ترق حالة المريض إلى الضرورة التي تدفع العالم إلى القول بالجواز، فعند ذلك قد يغير العالم رأيه فيفتي بالتحريم بعدما كان يفتي بالحل.
ثالثاً: تغيّر قوة الدليل لدى العالم:
كأن كان يفتي بمسألة بالتحريم، ثم بدا له ضعف الدليل الذي كان يحرّم من أجله أو العكس؛ كما حدث مع الإمام أحمد في فتواه في حكم صلاة التسابيح؛ فقد جاء في المغني أن علي بن سعيد الرازي قال: «سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسابيح؟ فقال: ما يصح فيها عندي شيء. فقلت: عبدالله بن عمرو؟ قال: كل يرويه عن عمرو بن مالك - يعني فيه مقال -. فقلت: قد رواه المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء. قال: من حدثك؟ قلت: مسلم - يعني ابن إبراهيم - فقال: المستمر شيخ ثقة. وكأنه أعجبه». قال ابن حجر العسقلاني في أماليه: «فكأن أحمد لم يبلغه ذلك أولاً إلا من حديث عمرو بن مالك - وهو النكرى -، فلما بلغته متابعة المستمر أعجبه، فظاهره أنه رجع عن تضعيفه». [اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (2/43)].
أو مثلاً: بطلان قياسه على مسألة أخرى لانتفاء العلة المشتركة بينهما بعدما كان يظن تقاسمهما في العله.
رابعاً: الضــرورة:
وهي أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل العالم يغير فتواه فقد يجيز المفتي ما حُرّمَ لضرورة الحال، بل إن النص القرآني صريح في ذلك حيث يقول الله تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ [الأنعام: ١١٩].
خامساً: تغير الفتوى سياسة.
فالعالم قد يفتي ببعض الفتاوى تشدداً أو تساهلاً ما لم يخرج عن الإطار الفقهي العام لأسباب تمس الأمن الاجتماعي أو السياسي أو الديني ..... إلخ، ويقدّرها العالم الثقة الرباني.
ومن أمثلة ذلك: الحادثة الشهيرة التي جرت مع ابن عباس رضى الله عنهما؛ فقد ذكر الإمام القرطبي في تفسيره قال: «روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: (ألمن قتل مؤمناَ متعمداً توبة؟ قال لا، إلا النار، قال: فلما ذهب. قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة، قال: إني لأحسبه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً. قال: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك» وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح. اهـ.
 ولا أريد التوسع في هذه النقطة لحساسيتها الشديدة، ولأنه قد يساء استعمالها من قبل بعض طلبة العلم الذين لم يتمرسوا جيداً في فهم السياسة الفقهية.
سادساً: مجون المفتي:
وأتوقف قليلاً قبل الكتابة في هذا السبب؛ لأبرر ذكره حيث إنه سبب غير ممتنع نسأل الله تعالى العافية والثبات على دينه؛ لأن الإنسان لا يأمن على نفسه الفتنة ما دام هو في هذه الدنيا - وإن جرت العادة على أن كثيراً من العلماء قد حفظهم الله من الفتنة في الدين - فالله تعالى يقول:  ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: ٩٩].
وقد يكون من المناسب ذكر قصة احتضار الإمام أحمد رحمه الله تعالى و التي ذكرها الإمام ابن كثير في البداية والنهاية - دليلا على أن الإنسان لا يأمن على نفسه الفتنة - حيث قال: «وقد روي عن ابنه عبدالله، ويروى عن صالح أيضاً أنه قال: حين احتضر أبي جعل يكثر أن يقول: لا بعد لا بعد. فقلت: يا أبت! ما هذه اللفظة التي تلهج بها في هذه الساعة؟ فقال: يا بني! إن إبليس واقف في زاوية البيت وهو عاض على إصبعه، وهو يقول: فُتّني يا أحمد؟ فأقول: لا بعد، لا بعد ـ يعني: لا يفوته حتى تخرج نفسه من جسده على التوحيد» [البداية والنهاية (10/375)].
وقد ضرب الله تعالى مثلاً في كتابه للعالم الضال: ﴿واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾ [الأعراف: ١٧٥]  
فإذا ضَعُفَ جانب التقوى عند العالم أخذ بالرخص من غير دليل، وأصدر الفتاوى بالتشهي ، إما مجوناً أو لتحصيل منفعة دنيوية، نسأل الله العافية، وفي مثل هذا العالم قال العلماء: يُحجَر عليه؛ فالحَجْرُ لحفظ الأديان أولى  من الحجر لحفظ الأموال. نسأل الله الثبات على دينه إلى يوم لقياه.
ومن أمثلة ذلك: ما ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله في كتاب إرشاد الفحول قال: «دخل القاضي إسماعيل -يوماً- على المعتضد العباسي، فرفع إليه الخليفة كتاباً وطلب منه أن ينظر فيه، وقد جمع فيه صاحبه الرخص من زلل العلماء، فقال له القاضي المذكور -بعد أن تأمله-: «مصنف هذا زنديق»، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قال: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب».
وفي الختام أرجو أن أكون بهذه المقالة ساهمت ولو بنزرٍ يسير في توضيح هذه المسألة التي كثر حولها الحديث بين طلبة العلم خاصة وبين الناس عامة.
بقلم/
تركي عيسى المطيري

الاثنين، 6 أبريل 2020

بين غيرتين !

بين غيرتين !



لا شك أن الإنسان كتلة من المشاعر فهو يحب ويكره ، يغضب ويرضى ، يضحك ويبكي ...الخ، كما أن من تلك المشاعر الشعور بالغيرة.

والغيرة في نظري سلوك إيجابي إذا دفعت الإنسان للتحدِّي وتحصيل ما حازه غيره، والله عز وجل يقول: )وفي ذلك فليتنافس المتنافسون( [المطففين:26]. ولولا الغيرة ما تنافس المتنافسون، ولا نشأ التحدي بين كثير من الناس في حيازة قصب السبق .

وإلى هنا الغيرة جيدة، بل هي من الدوافع العظام لعمارة الأرض، إلا أن الغيرة في بعض الأحيان قد تكون مدمرة للغيور.. كيف ؟
عندما تدفع الغيرة صاحبها إلى قرع طبول الحرب على منافسه ، داعياً إلى إزالته من ميدان المنافسة بالكلية دون مبررات كافية أو أجوبة شافية .

فهؤلاء أخوة يوسف عليه السلام قالوا: ) لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ( [يوسف:8]، ولو دققنا في تعليلهم لوجدنا أنهم افترضوا تعليلاً خاصًّا بهم للنجاح لم يقله يعقوب عليه السلام، ليتهربوا من العلَّة الحقيقية والسعي الصحيح الذي يتطلب منهم وقتاً وجهداً لتحصيل محبة أبيهم، فكان أرحم حكم اتخذ في حق يوسف أن قال قائلهم: )لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ( [يوسف:10]، ولكونهم آثروا نجاح الغيرة المجردة من السعي في تجاوز الخلل الموجود في السلوك، أو تلافي الأخطاء في الحياة، واكتفوا ببعض أسباب الغيرة )وَنَحْنُ عُصْبَةٌ( كانت العاقبة للناجح الحقيقي ولو حاز الغيور بعض ملامح النصر الجزئي .

وهؤلاء بنو إسرائيل طلبوا ملكاً؛ فكانوا يظنون أن الله عز وجل لن يختار غير نخب المجتمع التي أفرزوها بمقياسهم النسبي، فلما أخرجها الله منهم لغيرهم قالوا: )أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ( [البقرة:247]، ولو أنهم آمنوا ورضوا وسعوا في منافسته في تقواه وصلاحه فليس ثمة مانع من أن يصطفيهم الله عز وجل أو يصطفي من ذراريهم في مواقف أخرى يفخرون بها ، لكن أيضاً كانت العاقبة والنصر والتمكين لطالوت، أما المناوئون له فاندثر ذكرهم وغاب في طيات الزمن.

فالغيرة ليست سلوكاً خاطئاً ، لكن الخطأ الحقيقي أن نساعد على نجاح الغيرة المجردة من السعي، ونهضم حق من كافح من أجل النجاح .

بقلـم/
تركي عيسى المطيري

الاثنين، 30 مارس 2020

رد موجز على من قال أن وباء (كورونا) ليس جند من جنود الله سبحانه





انتشر مقالا لأحد الفضلاء يدعي بأن الوباء لا يقال عنه جند من جنود الله لأن النبي ﷺ سماه رجس ولأنه قتل الكثير من الصحابة رضي الله عنهم  وأطال وفصل في ذلك ، وفي ظني أن كاتب المقال جانب الصواب غفر الله لنا وله.

وأقول - والله أعلم- أن كل من هو نافذ فيه القضاء والقدر هو من جنود الله وبذلك فالخلق كله جنود الله حتى الكفار بل والحيوانات والجمادات والفايروسات ...الخ لكن يدخلون في مفهوم الجند العام لا الخاص والذي يُقصَدُ به الملائكة وعباده الصالحين.

 فنفهم من ذلك أنه متى سلط الله خلقا من خلقه بقضاءه وقدره على من يشاء كان جندا من جنود الله ، ولا يعني هذا اللقب (جنودالله) لقب تشريف على كل حال كما ادعى الكاتب ، بل وجعل ذلك سببا كافيا في نفي كون الوباء جند من جنود الله  .

أقول ليس بالضرورة أن كل لقب يقصد به تكريم وتشريف الموصوف به بدليل :

المثال الأول : أمم الأرض كلها برها وفاجرها الموحد والمشرك كلهم أمة محمد  ﷺ بدليل قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) وقوله  ﷺ  : والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار. رواه مسلم.

فقوله "من هذه الأمة" يقصد به أمة الدعوة حيث قسم العلماء أمة محمد ﷺ  الى أمتين أمة دعوة وأمة استجابة (١) ، وأمة الدعوة لا تكريم ولا تشريف لها إلا بدخولها في أمة الإستجابة .

كذلك جنود الله بمفهومه العام بأن كل من هو مقهور بالقضاء والقدر فهو من جنود الله لكن لا ندخل الرجس مع الطيب ولا الكافر مع الملائكة والمؤمنين فؤلائك استجابوا مرغمين بالقضاء وهؤلاء استجابوا لله بقضائه وبالرضا .

المثال الثاني : من حديث نواس بن سمعان رضي الله عنه حيث يقول الله سبحانه وتعالى عن يأجوج ومأجوج :(إنِّي قدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لا يَدَانِ لأَحَدٍ بقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إلى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) رواه مسلم.

فسمى يأجوج ومأجوج عبادا له بينما هم أكفر الناس حيث حاربوا نبيه عيسى عليه السلام و أيضا وجهوا سهامهم للسماء ويقولون قتلنا من في الأرض وسنقتل من في السماء .

ومع ذلك سماهم عبادا له كونهم مقهورين بالقضاء والقدر منفذين لما يشاء وهم يقينا لا يدخلون في عباده المؤمنين الذين قال فيهم ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾.

فجميع الخلق الظاهر منه المعلوم والمستتر المجهول كلهم من جنود لله سبحانه يسلط من يشاء على من يشاء لكنهم يختلفون في مقامهم عند ربهم سبحانه هذا رأيي والله سبحانه الهادي الى سواء السبيل .

أخوك تركي عيسى المطيري


(١)https://binbaz.org.sa/fatwas/9241/%D8%A7%D9%82%D8%B3%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85

السبت، 28 مارس 2020

الفرد الإيجابي والقيادة الذكية

*بقلم : تركي عيسى المطيري

كثير من المسؤولين ومدراء المشاريع، بل وحتى أرباب الأسر يقف حائراً أمام بعض السلبيات التي تبرز في بعض المرؤوسين، فيحاول جاهداً إزالة هذه السلبية، وينفق الكثير من وقته، وربما من المال المرصود للمشروع في إزالة السلبية.
وإن كان هذا جيداً غير أن هناك خطوة مهمة ربما توفر على القيادي كثيراً من العناء والوقت؛ ألا وهي استغلال السلبية بحيث نحاصرها ونجعلها في أصغر إطار ممكن، ومن ثم نعالجها، فإن أعظم خطر يُنتَظر من السلبية هو تأثيرها على  أفراد فريق العمل.
ولنأخذ مثالاً حيًّا لأعظم قادة الدنيا؛ وهو الرسول ﷺ ، ونَذْكر وجهاً من وجوه فن القيادة  لأفراد الدولة الإسلامية آنذاك، فالرسول ﷺ كان مكلَّفاً بتبليغ الأوامر الربانية، والحرص على أقامتها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، لكن ما موقف القائد إذا واجهه بعض أفراد فريقه بالاعتذار بأنه لا يستطيع القيام ببعض أوامره لسبب خَلْقي خارج عن إرادته؟
تروي لنا كتب السير والتراجم والسنن أن زوجة صفوان بن المعطل رضي الله عنه تقدمت بشكوى لدى النبي ﷺ  بأن زوجها لا يصلي الفجر مع الجماعة، ولا حتى في وقتها، فلما واجهه النبي ﷺ  بذلك اعتذر صفوان بأن هذا الأمر جِبِلِّيٌ ولا يستطيع مقاومته، ودلَّل على ذلك بأن عائلته مشهورة بهذا.
ونذكر هنا الشاهد من الرواية لأهميته:
قالت زوجة صفوان : «إن زوجي صفوان بن المعطل … لا يصلى صلاة الفجر حتى تطلع الشمس» -وبعد سؤال الرسول ﷺ  له قال صفوان- : «فإنا أهل بيت قد عُرِف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس». وفي رواية عند أحمد رحمه الله  «فإنِّي ثَقيلُ الرَّأسِ، وأنا من أهْلِ بَيتٍ يُعرَفون بذاك؛ بثِقَلِ الرُّؤوسِ» فقال له الرسول ﷺ : «فإذا استيقظت فصَلِّ» (1).
فصفوان رضي الله عنه ضرب في اعتذاره أروع الأمثلة للأفراد في طريقة الاعتذار عن المشاركة في المشروع؛ حيث إنه رتّب اعتذاره على ثلاثة مراحل كما سنذكر لاحقاً، فجاء الجواب مناسباً، والحكم -في القضية المختلف فيها بين الزوجين- واقعياً؛ حيث لا يصطدم مع طبيعة تكوين صفوان رضي الله عنه.
لكن القضية لم تنته عند القائد أو الفرد عند هذا الحل الآني، وإن كان حلاًّ ناجعاً للفرد، بل استطاعا أن يصنعا من هذه السلبية إيجابيَّة عظيمة، وأن تستغلَّ استغلالاً مناسباً.
ففي التفاتةٍ ذكيَّة من الفرد في استغلال (السلبية) قام صفوان رضي الله عنه بطلبٍ من القائد بجعله في مؤخرة الجيش والتي تسمى (الساقة)؛ فجيش النبي ﷺ  كان يعاني من مشكلة ألا وهي ما يسقط من متاع الجيش أثناء مسيره ليلاً أو في ساعات الفجر الأولى من رحيله، ولا يستطيع البحث عنها؛ إما لظلمة الليل، أو الخوف من فوات الجيش، فكان الحل الأمثل كما رآه صفوان –بكونه لا يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس- أن يكون في مؤخرة الجيش يلتقط ما يسقط من الجيش؛ فوافق النبي ﷺ ، ليحوِّل من السلبية التي كانت تؤرِّق الصحابي إلى ايجابية يحتسب من خلالها الأجر، وتقديم عملٍ إيجابيٍّ للمجتمع.
تقول الرواية : أن صفوان «سأل النبي ﷺ  أن يجعله على السَّاقة؛ فكان إذا رحل الناس قام يصلي، ثم اتبعهم، فمن سقط له شيء أتاه به»(2)، وفي رواية أخرى: «وكان صفوان يتخلف عن الناس؛ فيصيب القَدَحَ والجِرابَ والإِداوَةَ»(3). فكان الجيش يتوقف للراحة ليلاً، ويرتحل بعد الفجر، فإذا قام صفوان صلّى وتعقَّب الجيش والتقط ما سقط منه أثناء مسيره، ويكون عمله هذا سدًّا لثغر مهم من ثغور المسلمين، ولا ننسى أنه هو الذي كان سبباً في إنقاذ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعدما رحل الجيش عنها وهي تبحث عن عقدٍ فقدته في حادثة تعرف بـ (حادثة الإفك).
بعد هذا العرض نستطيع أن نلخص الحادثة على هذا النحو:

* موقف الفرد:
1) اعتذر عن نفسه شخصيًّا بأنه لا يستطيع القيام بهذا العمل في وقته، وبين أن السبب خارج عن إرادته .
2) ثم دلل على مصداقيَّة كلامه بأن الأمر لا يتعلق بشخصه فقط، بل إن هذا هو ما عليه الحال لدى أسرته.
3) ثم أورد الشهود إثباتا  لكلامه بأن أسرته تُعرَف بذلك في أوساط المسلمين.

* موقف القائد:
1) عدم التسرع في إتخاذ القرار؛ فليس كل معلومة (سلبية) عن فرد من أفراد الفريق تصل للقائد -ولو كانت صحيحة- ! تقتضي العقوبة.
2) الاستماع لمن تتعلق به السلبية، وإعطاؤه الفرصة الكافية للدفاع عن نفسه.
3) اتخاذ القرار المناسب الواقعي الذي يليق بحال الفرد.

 وأخيراً أرجو أن أكون قد أضفت معلومة مهمة ونكتة إدارية من أحاديث المصطفى ﷺ  .
ـــــــــــــــــ
 الهوامش:
(1) صحيح - صحيح أبي داود - الرقم: (2459).
ولا يظنُّ ظانٌّ أن هذه الرخصة من النبي ﷺ  لكل مفرط في صلاة الفجر ، إنما هي لصفوان رضي الله عنه لسبب خَلقي وليس من تفريط أو سهر  بدليل احتجاجه بأنها صفة مشهورة في عائلته.
(2) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: (15300).
(3) فتح الباري 8/350


الخميس، 19 مارس 2020

من فوائد لزوم المنزل (٢)

(٢) من فوائد لزوم المنزل



(الفوبيا وعم الامير أسامة بن منقذ)

الأمير عز الدين الشيرزي الذي قاتل بشجاعة وبسالة ، بل وكم من مرة غامر بعدد قليل من الفرسان في مواجهة جنود الخصوم، وله في ذلك قصص عجيبة ولكنه كان يعاني من فوبيا غريبة ، واليك القصة والتي يرويها ابن أخيه الأمير ابن منقذ في كتابه الإعتبار :


ومن عجائب القلوب ان الانسان يخوض الغمرات ویر کب الاخطار
ولا ير تاع قله من ذلك، ويخاف ما لا يخاف منه الصبيان ولا النسوان

ولقد رأيت عمي عز الدين ابا (۱) العساکر سلطان، رحمه الله، وهو
من اشجع أهله له المواقف المشهورة والطعنات المذكورة، وهو اذا راي
الفارة تغيرت صورة وجهه ولحقه کالز مع من نظرها وقام من الموضع
الذي يراها فيه


وكان في غلمانه رجل شجاع معروف بالشجاعة والاقدام اسمه صندوق
يفزع من الحية حتى يخرج من عقله. فقال له والدي، رحمه الله، وهو
واقف بين يدي عمي . یاصندوق، انت رجل جيد معروف بالشجاعة ما
تستحي تفزع من الحية؟» قال « يامولاي، واي شيء في هذا من العجب؟
في حمص رجل شجاع بطل من الابطال يفزع من الفارة ويموت» ۔ يعنی
مولاه.. فقال له عمی، رحمه الله قبحك الله يا كذا كذا.

محبكم
تركي العبدلي
turky60@hotmail.com 

من فوائد لزوم المنزل (١)



رجل واحد يهزم قوم في قلعة رفنية...!!

القراءة في كتاب الإعتبار لأمير قلعة شيزر في الشام
الأمير الشجاع أسامة بن منقذ رحمه الله وله عدة كتب وكان من سيرته أنه كان ينكر على أهله كثرة الترف والتوسع بالمباحات حتى تجاوزوها الى ما هو محذور .
 وفي يوم وهو راجع من الغزو وجد ان قلعته تهدمت بفعل زلزال وانتهت دولته فمكث أشهرا على أطلالها وألف في تلك الفترة كتابه الشهير ( المنازل والديار ) ثم رحل الى مصر وانضم لجيش صلاح الدين الأيوبي وكان من المقربين له.

  له عدة كتب مثل كتاب الاعتبار وكتاب العصى وغيرهما دون فيها ذكرياته وفيها عجائب غزواته و مشاهداته.

 وهذه اول قصة أسوقها لكم من هذا الكتاب : وهي بعنوان رجل واحد يهزم قوم في قلعة رفنية...!!

 يقول الامير اسامة بن منقذ حدثني الرئيس سهري ، وكان في خدمة الأمير شمس الخواص - التوناش صاحب رفنية وكان بينه و بين علم الدین علي کرد صاحب حماة عداوة وخلف، قال «امرني شمس الخواص ان اخرج اقدر بلد رفنية وابصر زرعه. فخرجت ومعي قوم من الجند فلما قدرت البلد. و نزلت ليلة عند المساء بقرية من قرى رفنية لها برج صعدنا الى سطحه تعشينا وجلسنا وخيلنا على باب البرج. فما شعرنا الا برجل قد اشرف علينا من بين شراريف البرج فصاح علينا ورمی نفسه الينا وفي يده سكينة فانهزمنا و نزلنا في السلم الأول وهو خلفنا، و نزلنا في السلم الثاني، وهو خلقنا، حتى وصلنا الباب. فخرجنا واذا قد رتب لنا رجالا على الباب فقضونا جميعنا واو ثقونا رباطة ودخلوا بنا الى حماة الى علي" کرد فما سلمنا من ضرب الرقبة الا بفسحة الأجل. فحبسنا وغرمنا، وكان الذي فعل بنا ذلك كله رجل واحد»

 محبكم تركي العبدلي
turky60@hotmail.com