الاثنين، 11 نوفمبر 2019

[ الخطوات العملية لترغيب الأطفال في القراءة ]





هذا ملخص كتاب (حب القراءة 99 طريقة لجعل الأطفال يحبون القراءة)

المؤلفة ميري ليونهاردت ـ ترجمه إبراهيم العمري
إصدار (بيت الأفكار الدولية)
جمع وإعداد وتلخيص بتصرف : تركي العبدلي



[ الخطوات العملية لترغيب الأطفال في القراءة ]

أـ ما قبل المرحلة الابتدائية

1) أن يكون المعلم مهتم بالكتب كأن يراه الأطفال يقرأ أو يتكلم عن كتاب… أو أن يزور المعارض المخصصة للكتب.

2) أن يهدي لهم هدايا تحتوي كتبا.

3) عدم إجبار الطفل على القراءة.

4) حاول أن تفهم ما يحب طفلك أن يقرأ ولا ترغمه على ما تحب أنت.

5) ليس شرطاً من يقرأ كتب العنف أن يكون شريراً في الغد بل لعله يتجنب مشاكلها لمعرفته بها.

6) ينبغي أن يراعي المعلم التناسب بين الكتاب وعقلية الطفل حسب سنه.

7) قد ينصرف الطفل عن القراءة برهة من الزمن فلا يعني ذلك انه تركها.

8 ) ليس بالضرورة أن كل من تعدى مرحلة الطفولة ولم يحب القراءة أنه لن يحبها مستقبلاً.

9) ينبغي عدم الإسراف في شراء أشرطة الفيديو (أو ألعاب الفيديو) ولكن أجعل كتاباً مكان الشريط .

10) اجعل هناك جلسات للكتاب المسموع كأن تقرأ قصة وهم يسمعون وتجعل في القراءة نوع من

المرح كأن تتعمد الخطأ في الألفاظ ليصححوها.

11) ممكن أن يكون القراءة المسموعة خطوة أولى لجعل الطفل يحب القراءة كأن تقرأ وإذا بقي

صفحتين أو ثلاثة تتظاهر بالتعب وتجعله يكملها بعد ما تشعل حماسته لخاتمتها.

12) هناك العاب تتعلق بالمكتبة قراءة أو كتابة مثاله أن تطلب منه يكتب قائمة كلمات تبدأ بالحرف (كذا) فيبادر قبل أخيه في الكتابة أو تعطيه ورقة الطلبات وتجعله يشطب ما اشتريته من السوق.

13) حاول أن تربط بين اهتمامات طفلك العملية وبين نوعية الكتب، حتى يكون مبدعاً في اهتماماته أو حتى تجذبه للقراءة إن لم يكن يرغب بها.

14) من الوسائل التي من الممكن أن ترغب طفلك في القراءة هو إعطاءه كتب قصصية مصورة ممتعة تجذبه بألوانها وأشكالها وشخصياتها.

15) المدح والتشجيع عاملان مهمان في دفع الطفل للقراءة.

16) شراء الكتب الصعبة تكره الطفل في القراءة.

17) فلا تقلق من أن طفلك يقرأ الكتب المصورة لفترة أطول من الآخرين احرص على نوعية الكتاب.

18) عندما يتقن الطفل القراءة لا تهمله بل تابعه فإن الإهمال خطوة لقتل حبها في نفسه.

ب ـ في المرحلة الابتدائية

19 ـ 1 ) شجع طفلك على قراءة الكتب المسلسلة .

20 ـ 2) إذا الطفل حب أن يقرأ لمؤلف معين فلا بأس ولا تلزمه على التنوع.

21 ـ 3) أعط وقتاً جيداً يحبه طفلك للقراءة.

22 ـ 4) أعط وقتا لطفلك أن يأتي بفاصل تمثيلي لشخصية يحب أن يقلدها قرأ عنها في كتاب.

23 ـ 5) بعد انتهاء الطفل من اللعب والفاكهة فأمره جازماً أن يذهب إلى سريره لينام وأحرص أن يكون قبل موعد نومه ولو بقترة قصيرة نسبياً واجعل كتاباً على المنضدة القريبة من سريره أو قصة فستجده يمد يده إليها.

24 ـ 6) إن شعرت إن ابنك يمل من كثرة القراءة فاجعل هناك فسحة لمشاهدة الفيديو أو سماع نشيده أو لعب غير متعب.

25 ـ 7) لا تتدخل في كيفية قراءة الطفل للكتاب كأن تعرض عليه جلسة معينة أو أن لا يأكل ولا يشرب أو لا يقطع القراءة ليلاعب أخته التي تصغره.

26 ـ 8 ) أحرص على طفلك إذا أراد الذهاب إلى مخيم ربيعي أو السفر مع العائلة أن تسأله ما هو الكتاب الذي يرغب أن يصاحبه في السفر أو ..الخ.

27 ـ 9) أحرص أن يكون في البيت مكتبة ولو صغيرة.

28 ـ 10) تحمل بعض الفوضى في بادي الأمر فإذا ترك الطفل الكتب مبعثرة هنا وهناك بعد القراءة فلا تلزمه دائماً بترتيبها فسيربط الطفل بين المشقة في الترتيب وبين الكتب وسيتجه من داخله إلى ما لا مشقة فيه كمشاهدة الفيديو (أو ألعاب الفيديو) أو اللعب بالأرجوحة.

29 ـ 11) حاول أن لا يصادق طفلك إلا من يحب القراءة وإن لم يكن بيدك انتقائهم حاول التأثير عليهم ما استطعت كأن تدعوهم مع ابنك إلى المكتبة العامة.

30 ـ 12) إن كان طفلك يأخذ الكتاب من المكتبة العامة فضيعه أوأتلفه أو حتى تلكأ في إرجاعه فلا تخوفه من أمين المكتبة ولكن عليك أن تعلمه تعاليم الإسلام في إرجاع الأمانة.

31 ـ 13) لا تضع جهاز تلفاز في غرفة ابنك ولكن اجعل هناك بعض الكتب المفيدة حتى يلجأ إليها في وقت الفراغ أو عند النوم.

32 ـ 14) ضيق سهولة الوصول لأشرطة الفيديو (أو ألعاب الفيديو) ولا تجعلها في متناول يده بل اجعلها في مكان بعيد لا تكثر من الألعاب المسلية ولا تحرمه منه كذلك، ولا تشعر ابنك أنك تضيق الخناق (المتعوي) عليه لتلجئه إلى الكتب وإلا سيكون هناك ردة فعل سلبية.

33 ـ 15) لا تحرم ابنك من وسائل وثورة الاتصالات المعاصرة كالكمبيوتر وغيرها وإلا عند تمكن ابنك منها في المستقبل سينطلق إليها مبهوراً وستضعف عنده الرغبة في حب القراءة والمطالعة.

34 ـ 16) علم طفلك في المراحل المتقدمة إن الهدف من الكتاب ليس القراءة فحسب بل هو التعلم والعمل ومنفعة ( دينه ) ونفسه ومجتمعه ووطنه.


ودمتم بخير،،،

الأربعاء، 4 سبتمبر 2019

الشيخ عبدالرحمن بن سعدي أنموذج سلفي فريد ...



الحديث عن السلفية ذو شجون لتنوع وكثرة التيارات التي تنتسب إليها، فتارة ترمى السلفية بالتشدد لانتساب بعض التيارات المتطرفة إليها ، وتارة ترمى بتمييع الدين كونها لا تلتزم بالمذاهب الأربعة - زعموا – وأنها فتحت باب الاجتهاد على مصراعيه لكل من هب ودب ! ...الخ

وعلى كل الحجر لا يرمى به إلا باسق النخل ، ولا تحاكم جماعة بأخطاء بعض من ينتسب إليها إنما تحاكم بأصولها التي ترجع إليها ، ومدى التطابق مع انشطتها واعمالها التي تقوم بها .

وليس لأجل ذلك كتبت هذه المقالة في الحقيقة ، إنما أردت الإشارة إلى بعض الأخطاء التي يرتكبها بعض الدعاة من الشدة والغلظة في الدعوة والتعدي في إطلاق الأحكام  على الآخرين.

وفي رأيي أن هذه الفئة قلة بالنسبة للتيار العام المعتدل لكن للأسف استخدمهم خصوم الدعوة نماذج للقدح فيها.

فأردت أن أذكر أنموذجا سلفيا فريدا معاصرا لأضرب مثلا بأن الفكر السلفي ليس فكرا مثاليا غير قابل للتطبيق بل هو فكر واقعي يستمد قوته من أصوله المتينة.

الشيخ عبد الرحمن بن سعدي عالم سلفي برز في إقليم القصيم من مدينة تسمى عنيزة والتي تعد في العمق الجغرافي للدعوة السلفية .

كان هذا العالم أنموذجا يحتذى ورمزا يضرب به المثل عند الكلام عن ثمار الدعوة السلفية المعاصرة.

فكم من عالم نراه اليوم سطرت قبل اسمه الكثير من الألقاب والتي تصف علو كعبه في العلم وسعة فهمه وما أن تعاشره وتقرأ له او تطّلع على أبحاثه الا وجدته دون ما وصف .

فأما بن سعدي رحمه الله تعالى فشيئا آخر ، ولعل ما وصف به من علم وفهم وتواضع هو فوق ذلك ، وقد ذهلت لما قرأت كتاب ( مواقف اجتماعية من حياة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ) مما جعلني أواصل في قراءته حتى أتممته في أقل من أربعة وعشرين ساعة .

 وكان من شدة إعجابي بهذا الكتاب أني تمنيت  أن يوزع على كل شاب مبتدئ في تدينه مرورا بطلبة العلم وانتهاء بكل عالم
 ، ليطّلع ويعايش هذا العالم الفذ حياته اليومية ، والذي ضرب أروع الأمثلة في الاعتدال والاتزان في كيفية تطبيق النصوص الشرعية ، لأنني على يقين أن هذا الكتاب – والذي غالبه قصص من حياة الشيخ  - سيكون شرارة تغيير لدى الكثير على بساطته وسلاسته وعاميته في بعض الأحيان ، لأن معايشة الواقع والنظر في الصور الحياتية للعالم أبلغ في التأثير من التنظير العلمي والإملاء الفكري لأنها ترجمان لقناعاته وتطبيق عملي لتلك المعاني الغائرة في أعماقه  .

فالشيخ رحمه الله تعالى استطاع أن يوازن بين تعامله مع المجتمع المحيط به والذي لا يخلو من المجاهرة بالمعاصي في بعض الأحيان ، وبين تطبيق النصوص الشرعية ، فالمتتبع لحياة الشيخ –  سواء في هذا الكتاب أو غيره – يعلم ان ابن سعدي رحمه الله بعيد كل البعد عن أسلوب التشدد والتنفير كما أنه ليس - في نفس الوقت - مميعا ولا مضيعا  للأحكام الشرعية .

وسآخذ ثلاثة أمثلة فقط من حياته رحمه الله تعالى تاركا لكم حرية البحث عن مواقفه وسيرته العطرة الكريمة.


المثال الأول:
كان في السابق في مدينة عنيزة وكما هو الواقع في أرجاء المعمورة آنذاك أن لا غنى لأي بيت عن الحطب وهو يقوم مقام أجهزة الطبخ والتدفئة ، فكان يأتي بائع الحطب ويستأذن بالدخول فتدخل المحارم داخل الغرف ليتمكن البائع من إنزال الحطب في باحة المنزل ، وما يهمنا أنه بعد أن أنزل البائع الحطب في بيت الشيخ وانصرف تعقبه الشيخ لينظر إلى الحطب فإذا به يجد صندوقا صغيرا سقط من البائع ، فعلم من رائحته أن فيه دخان ( التتن )، فلحق الشيخ بالبائع ومعه الصندوق  فلما أعطاه صندوقه قال له البائع : يا شيخنا هل تعلم ما فيه ؟ فقال الشيخ : نعم . فقال البائع : ولم رددته لي ؟ قال الشيخ : لأني أعلم أنه من العسير عليك ترك الدخان وستقوم بشراء غيره وسيكون ذلك على حساب أهل بيتك فرحمة بصغارك أرجعته لك  وأسأل الله تعالى أن يتوب عليك ، فبكى ذلك الرجل وحطم الصندوق وعاهد الشيخ على أن لا يرجع إليه أبدا ، هذا مع العلم أن للشيخ  مؤلفا في حرمة التدخين في ذلك الوقت .

أقول كان بإمكان الشيخ أن يشهر به كما كان بإمكان الشيخ على أقل تقدير أن يقوم بتحطيم ذلك الصندوق بدعوى أنه منكر وأنه سيستر عليه في هذه المرة على أن لا يعود إليه ثانية وله في ذلك مبرر شرعي ، غير أن الشيخ رحمه الله تعالى كان فقيها واعيا وداعية ناصحا يعلم أن هناك فرقا بين تقرير الحكم الفقهي وبين أساليب تطبيقه فعليه رحمة الله تعالى .

المثال الثاني:
مر الشيخ على رجال يغنون وهم يبنون حائطا ، فلما انتبهوا لوجود الشيخ سكتوا ،فقال لهم الشيخ ضاحكا : مالكم سكتم إن الغناء يعينكم على العمل ويبث النشاط في نفوسكم فنظر بعضهم لبعض حيث توقعوا خلاف ذلك من الشيخ ، لكن الشيخ رحمه الله تعالى لم يطلب لنفسه الوقار المبالغ به أو إضفاء قدسية على ذاته إنما القدسية الحقيقية للنصوص والأحكام الشرعية .

و في الحقيقة أن احترامنا لأنفسنا كدعاة والوقار المكتسب لذواتنا ينبغي ان يكون نابعا من مدى تطبيقنا لتلك النصوص لا علمنا بها فقط !

المثال الثالث:
جاء جهاز البرقية لمنطقة بريدة ليحدث ضجة كبيرة في تلك المنطقة ، فجاء من جاء إلى الشيخ رحمه الله تعالى يدعوه لإنكار هذه البدعة الشنيعة وأنها من عمل الشياطين بأن تلك البرقية تأتي بها الشياطين و أن القائمين على ذلك الجهاز يقومون ببعض الشركيات كذبح (تيس!) مثلا كل سنة !

 فضحك الشيخ مما قاله ذلك الرجل وضعّف ما نقل له عن ذلك الجهاز وقال له : أليس يُنقل بذلك الجهاز أسم الله تعالى وشيئا من القرآن الكريم ؟      قال الرجل : بلى فقال له الشيخ السعدي : وهل تنقل الشياطين لنا قول ربنا؟! فسكت ذلك المنكر ، فقام الشيخ ابن سعدي يشرح له طريقة نقل البرقية وأنها تنقل عبر أسلاك كهربائية ...الخ

فليس عجيب إنكار ذلك الرجل لأنه أمر حادث ليس له مثال سابق على العالم الإسلامي ، ولكن الغريب سعة أفق ابن سعدي واطلاعه على تطورات العصر .

رحم الله ابن سعدي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وكم أتمنى أن يكون قدوة لكثير من طلبة العلم .

تركي عيسى المطيري

الجمعة، 24 مايو 2019

هل صنعت في العالم شيئاً يُذكر ..!

هل صنعت في العالم شيئاً يُذكر ..!

ليس أثر الإنسان وليد ما يتقن بل هو وليد ما يصنع وما يقوم به في هذا العالم، وليس كل شخص يصنع ما يتقن، فكم من عالم ضيَّع عمره في البحث عن المال ومصادره، والتجارة ومظانها، وكان ذلك على حساب ما يتقن من نشر العلم والفضيلة، وكم من كاتب بارع ضيَّع عمره في وسواس الجودة؛ فكلما كتب مقالاً أو كتاباً أعاد النظر فزاد ونقص، وأضاف وشطب، حتى تهالكت الورقة بين يديه وغاص بين ركام الورق، وما زال هذا حاله حتى مات الكاتب والمكتوب!...

وكم من شاعر أديب ضاع أدبه وشعره في تلك الصالونات المختصرة، واللقاءات الهامشية غير المجدية!...

كل هؤلاء وأمثالهم ضيّعوا كنوزاً عظيمة، ولعلي أضرب لكم مثلاً:
هل رأيتم  التاجر الحاذق الذي جعل من ليله ونهاره، جده وهزله، منشطه وكسله معبراً لجمع المال وتخزينه، وعاش معيشة الفقراء، ولبس ما يلبسه المساكين؛ فلا هو أراح نفسه من عناء الجمع، ولا هو بالذي انتفع ونفع بماله، أليس كلنا يزدري ذاك الرجل؟!

في ظني أن هذا التاجر أكثر نفعاً في الأمة ممن كتم علمه وأضاع جهده في دائرة تضيق ذرعاً بما يملك من معرفة! فالتاجر ماله يورث لغيره -وقد يجد من يفعّل ماله تفعيلاً مناسباً ويستخدمه استخداماً نافعاً-؛ بينما هذا يموت علمه بموته.
لذلك ينبغي علينا أن نقف مع أنفسنا وقفة صادقة، وكل منا يسأل نفسه: ماذا أتقنت؟ وماذا أنفقت مما أتقنت؟ وهل يتناسب عطائي مع مستوى إتقاني؟

أقولليس بالضرورة كثرة الإنتاج، بل ينبغي أن يتناغم الإنتاج مع حاجة الآخر إليه؛ فالأديب الذي يؤلف كتاباً عن حياة أديب هندي مغمور أدبه لا يتجاوز قريته التي عاش فيها، لا يلقى كتابه أثراً في الأمة بقدر ما لو ألَّف كتاباً يوثِّق فيه ما كُتِب في حقبتنا هذه من أدبيات حول قضايانا المصيرية، وكذلك الفقيه الذي يناقش في بحث مطول -وقد يستهلك مئات الأوراق- حول أحكام الرقيق يختلف أثره في الأمة عن ذلك الفقيه الذي يكتب بحثاً، أو حتى تقريراً قد لا يتجاوز بضع صفحات حول نازلة ملمَّة حارت بها البصائر .
وكم مرة أستحضر شخصيتين كمثال فالأول رحمه الله مؤلفاته تعد بالمئات بخلاف الآخر ؛ لكن تلك المئات هي –في الغالب– جمع واقتباس مطول، وعلى جلالة قدرها فقد أُلِّف مثلها كثير، بل في بعض الأحيان هي نسخة عن غيرها، وقد يستغنى عنها بغيرها، بينما الآخر وأقصد به الإمام الشاطبي -رحمه الله- أصبح العلماء والباحثون لا يستغنون في بحوثهم وفتاواهم عن «الموافقات» و«الاعتصام» منذ أن ألفت !.

وإن كان هذا لا ينقص من حق الأول، لكن يرفع من قيمة إنتاج الثاني .

وما أريد الوصول إليه: أن لا نضيع جهودنا وما نتقن من فنونٍ في أمور قد تُضَيِّع علينا الثمرة الحقيقية لمخزوننا الثقافي، وتفوت علينا الفرصة السانحة في الارتقاء بمن حولنا، ووضع بصمة يصعب تقليدها في هذا العالم، ولا تكون هذه البصمة إلا بالتناسق بين ما نتقن وبين ما نقوم به من إنتاج من جانب، مع مراعاة ما تحتاجه مجتمعاتنا من جانب آخر .

وأقول: لا ترخص فهمك وعلمك في سوق التواضع الكاذب؛ لأنك تفسح الطريق أمام من لا يستحق، كما ينبغي عليك أن لا تقتحم مجالاً لا تتقنه فتزاحم من يستحق.

إننا أمام ميزان دقيق ينبغي علينا مراعاته حتى يكون تفاعلنا مع هذا العالم تفاعلاً صحيحاً صائباً، وأن نصنع شيئاً يذكر في سفر الحياة .

بقلم/

تركي عيسى المطيري

الثلاثاء، 1 يناير 2019

شروط عضو هيئة الفتوى




شروط عضو هيئة الفتوى




مما سبق ذكره في المقالات السابقة يتضح أهمية الهيئة إجمالاً، لكن من المهم جدًّا أن نتكلم عن العنصر المهم وأُس الهيئة وحجر الزاوية فيها، بل إن قوة الهيئة وضعفها تستمد من هذا العنصر المهم، ألا وهو المفتي.



فمهما عملنا من أجل إبراز دور الهيئة على الصعيد العلمي أو الإعلامي فلن يحظى ذلك المجهود بنجاح يذكر إن لم نحسن اختيار ذلك العنصر المهم.



و السؤال  :

*ما هي المعايير التي ينبغي أن تتوفر في عضو هيئة الفتوى؟*


وحتى لا نتوسع بالإجابة ويطول المقام على هذا السؤال ينبغي علينا أن نتجاوز فضول القول والإطالة بكلام معروف سلفاً؛ كأن نفصِّل في علوم الآلة التي ينبغي أن تتوفر في مفتي الهيئة ونحوها.



وأري أن ما يمكن إضافته هنا أن نقول :



1) ينبغي أن تخدم الهيئة المذاهب الأربعة والتي اتفق عليها جماهير المسلمين، فيكون لكل مذهب عضو متقنٌ له يعرف أصوله ومتشبع بفروعه، ويعرف خبايا زوايا المذهب، بحيث قل مسألة تمر عليه إلا ويعرف مظانها، ولا يقوم مقامه ذلك المتخرِّج من تلك الجامعة التي تخط في شهادته مالكي أو حنبلي...الخ ليستجدي منصباً أو مالاً بها، بل لا بد أن نعرف خطورة هذا المكان وأن ننزل الناس منازلهم.



2) كما ينبغي أيضاً أن يكون من مجموع أعضاء الهيئة ذلك المحدِّث الذي اطلع على كتب السنن والمسانيد، وتشبَّع من علوم الحديث الشريف، وعرف ما يصلح للاستدلال وما لا يصلح، وعرف صحيح الأسانيد من سقيمها، فلا يستشهد في الفتوى بحديث ضعيف، ولا يذكر نصًّا لا يصلح الاستدلال به، فهو منظار المذاهب وبوصلة الفتوى وشأنه عظيم في الهيئة.



3) ومن الصفات المهمة التي ينبغي أن يتمتع بها عضو هيئة الفتوى: سعة الأفق، فلا يكون متعصِّباً لمذهبه، بل يرى أن الحق قد يكون مع غيره في مسألة كما كان معه في مسألة غيرها، فإن المفتي المتعصب لقوله أو قول من يقلده يوصد باب الفهم والاستيعاب لأقوال الآخرين مما يضيع أو يضعف جودة الفتوى وقوتها، ومهما كان ذلك المقلد - ضيِّق العطن - متمكناً في مذهبه فهو عقبة كؤود في كل جلسة للهيئة؛ لأنه يستنزف وقتها في محاولة إقناعه أو في محاولة رأب الصدع بينه وبين من يخالفه، فمن كان هذا شأنه فخُلوُّ الهيئة منه أولى، لأنه لا يثري الجلسة، ولا يقدح ذهنه بحل لما هو مشكل في موضوع الاستفتاء المعروض .



4) كما أنه من المهم أن نفرد بنقطة مستقلة التحذير من المفتي الماجن والذي لا يدع فتوى شاذة إلا تبناها، ولا قول قاصٍ إلا أدناه، فهذا لا ضابط له إلا هواه، فوجود هذا الصنف مع سابقه يضعف الفتوى، وبالتالي يضعف كيان الهيئة، وقوتها مقصودنا.



5) المستوى الأكاديمي لعضو هيئة الفتوى مهم جدًّا، وبالكاد تجد مفتياً في زماننا يصلح أن يكون عضواً في هيئة تعنى بهموم الأمة الدينية على كافة الأصعدة ذات الصلة بمهامها سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية... الخ؛ لأنه علم بالمشاهدة والمعايشة مع كثير من الفقهاء والعلماء أن العالم ذا المستوى الأكاديمي العالي، بل والمجيد للغة أخرى غير العربية، أقول تجده أكثر فهماً لمعطيات الواقع، وأوسع أفقاً من غيره، هذا وأنا أقول ذلك أرجو أن لا يفهم منه أن أحصر التحصيل العلمي في الدراسة الأكاديمية فحسب، بل أقول إن من حصَّل العلوم الشرعية عن طريق حلقات العلم ومجالسة العلماء أفضل بكثير من ذلك الذي حصلها عبر مقررات الجامعات، وهذا معلوم، لكن من حصَّلها من خلال حلقات العلماء وسلك الطريق الأكاديمي بالتوازي مع ذلك المجهود فهو أفضل بلا شك، وهو أرقى الأصناف الثلاثة، وهو المقصود بالحديث.



6) الإنتاج العلمي للعضو مهم أيضاً؛ وأقصد بالإنتاج أن يكون له حلقات علم أو مؤلفات تكشف عن ذلك العمق في فهمه، أو برامج تلفزيونية أو إذاعية تضع فهمه على المحك...الخ، فإن العالم الخامل علمياً إذا كان لا يحمل همَّ تبليغ العلم للآخرين ولا تستثير همته الساحة العلمية بما فيها من صخب علمي وإعلامي، أقول إن عالماً كهذا لا تستفيد منه هيئة إفتاء، فالعالِمُ الذي مُلئ همَّة وحيوية في مناقشة المسائل المطروحة في الساحة يتَّسم بصفة أساسية ينبغي أن تكون في عضونا المنشود، فكم هو مخيب للآمال ذلك العالم الذي تلجأ له الأمة وتستفتيه في حل إشكالاتها الشرعية، فيكون حين عرضها في جلسة الهيئة ثبط الهمة، قليل المشاركة، منطوياً على رأيه، لا تستثيره المسألة مهما علا مستواها العلمي أو تعقَّد حلها.



7) دماثة الأخلاق ورحابة الصدر معيار نفيس إن توفر في عضو الهيئة؛ فقلَّما جلسة لا يحتدم فيها النقاش وتختلف فيها الآراء إلا ويجد الشيطان مدخلاً إلى النفوس من خلالها، فتبرز هنا أخلاق العالم، فإن كان ضيق العطن سريع الغضب أخذ الاعتداد بالرأي مسلكا له في تحدي الآخرين وتسفيه آرائهم والتقليل من جودتها، بينما إن كان العالم على العكس من ذلك خاب ظن الشيطان فيه، بل قد يكون في دماثة أخلاقه وحسن تصرفه ما يطفئ الغضب لدى الآخرين ويحد من تشعب النقاش.



8) أن يكون عضو هيئة الفتوى ذكيًّا لمَّاحاً، وهذا الشرط قد لا يُعرف إلا بالممارسة، فإن عُرف قبل التحاقه بالهيئة فهو المقصود ، وإن لم تنكشف غفلته إلا بعد أن صار عضواً ووجد البديل فينبغي إعفاؤه، لأن التعامل مع الإستفتاء المقدم لابد وأن تتوفر النباهة الكافية في المفتي حيث أن كثيراً من المستفتين ليس لديه معيار إلا مصلحته فحسب، فإذا ما قدَّم سؤالاً فإنما يعرضه من الجهة التي يبدو أن الحق معه كما يعتقد هو، وذلك في أفضل الأحوال، وإلا فإن هناك الكثير ممن يتلاعبون بألفاظ الاستفتاء وعباراته من أجل تحصيل منفعة من الفتوى الصادرة. وأنا أذكر هذا الشرط هنا لا أقصد بذلك أن أقول يجب على كل مفتٍ كشف نوايا المستفتي، كلا! فأنا أعلم أن المفتي يفتي على قدر السؤال، لكن يجب أن نعلم أن الإفتاء المؤسسي تلحقه تبعات شرعية عظيمة في كل فتوى صادرة ، فينبغي ألا تكون المؤسسة ألعوبة بيد المستفتين، وإلا أسقطنا هيبتها لدى المجتمع الذي هو قطب الرحى. ولا يفوتني هنا أن أذكر المثال الصادق للمفتي اليقظ فضيلة الشيخ عز الدين توني - رحمه الله تعالى - عضو هيئة الفتوى في دولة الكويت(سابقا)، فكم من مسألة تعاطفتُ مع السائل فيها - وكان ذلك في بداية عملي في إدارة الإفتاء - فأعرضها عليه، فيرفع سبابته يفرك صدغه بها، ثم ينظر إليَّ ويقول: من صياغة السؤال أشك في مصداقية المستفتي! فكم كنت أحنق وقتها على تلك الكلمات التي يتفوه بها، ولم أكن أعلم - ولعل ذلك لصغر سني - أنها ميزة قلَّ ما توجد في عالم مثله، وما أن يدخل المستفتي للجنة التي كنت أميناً للسرِّ فيها آنذاك حتى يأخذه في صولات وجولات لفهم استفتائه ويوجه له أسئلة دقيقة مفصليَّة، وما هي إلا دقائق حتى تنجلي الحقيقة وأرى صدق حدس ذلك الشيخ رحمه الله بأن المستفتي قد خبَّأ بعض المعلومات لتوجيه الفتوى توجيهاً يحصد به المصالح الدنيوية، فلا يزيد الشيخ على أن ينظر إليِّ بابتسامة رائعة ، فرحمة الله عليه.



9) حرصه على مراد الله في جوابه، لا إيجاد المخارج الضعيفة - لغير ضرورة - وتلمس الغريب من الفتاوى بما يرضي المستفتي، على أن يكون ذلك من غير إفراط في التشدد والورع والحيطة، ولا تفريط في الضوابط الفقهية والنصوص الشرعية، فرسالة المفتي الحقيقية تنطوي تحت مظلة مراد الله من عباده، لا التفلت منه ولا الالتفاف عليه، ولعل البعض يرى في ذلك المفتي الذي لا يفتي إلا بمصطلحات التشديد على الناس أنه هو ذلك العالم الرباني, وهذا غير صحيح البتة! ولا كذلك العالم المحلل لكل ما اشتبه فيه، بل العالم الرباني هو الذي يسهل على الناس أمر دينهم، وييسر عليهم ما وسعت النصوص الشرعية لذلك التيسير، فحمل الناس على ورع العالم والحيطة من كل شيء، وإعمال سد الذريعة في كل أمر هو ما يجب على عالم الأمة التورع عنه، ولنا في هدي نبينا صلى الله عليه وسلم أسوة.



وحتى نكون واقعيين فإن هذه الصفات المذكورة يصعب توفرها في كل مفتٍ بنسبة عالية ترضي المسؤول عن تشكيل الهيئة، ولكن ما لا يُدرك كله لا يُترك جُلُّة، وإذا بلغ الماء قلتين لا يهمنا ما شابه، وينبغي أن يكون في كل مفتٍ ينتخب للهيئة أن تكون فيه نسبة جيدة من كل صفة ذكرت.





*بقلم*



*تركي عيسى المطيري*

*مدير إدارة الإفتاء*
*وزارة الأوقاف الكويتية*

a