الجمعة، 27 يوليو 2018

خواطر حول مهمة في ماليزيا

خواطر حول مهمة في ماليزيا

 (مقالة كتبتها قبل 6سنوات)



أقلعت بنا الطائرة من مطار الكويت في الساعة الثانية عشر ليلاً متوجهة إلى مطار كوالالمبور عاصمة جمهورية ماليزيا، والتي أصبحت - كما يقال - سحر الشرق، وكم كنت مشتاقاً لزيارتها؛ فهي الدولة التي كسرت قيد التخلُّف، وانطلقت تسابق الريح؛ تلحق بركب الحضارة والتطور؛ فلقد سئم شعبها - كما سئمت الكثير من الشعوب - من أن تعيش تحت تصنيف دول العالم الثالث.
لكن العجيب في هذه الدولة أنها اختارت هذا النهج على قلِّة مواردها الاقتصادية آنذاك، بالإضافة إلى أن الشعب الماليزي عبارة عن خليط من عدة عرقيات؛ فهو يحوي في تكوينه على نسبة كبيرة من الصينيين، والهنود، والملاويين، وغيرهم، كما أن الشعب فيه عدة ديانات؛ وإن كانت الديانة الإسلامية لها النصيب الأكبر، لكن يبدو أنه شعب يُحسن التفكير واتخاذ القرار، وهذا ليس بالجديد على هذا الشعب؛ حيث لنا في التاريخ شاهد لا يمكن تجاهله؛ فماليزيا هي من الدول القلائل التي لم يدخلها الاسلام بالسِّنان، بل دخلها بالفكر والحوار بواسطة التجار العرب؛ فاختارت الإسلام وهي تموج في بحر من الديانات الأخرى كالبوذية والوثنية وغيرها، وهاهي اليوم تشق طريقاً آخر للنجاح في بحرٍ من دول العالم الثالث مسجلة إنجازاً جديداً يضاف إلى إنجازاتها التاريخية.
حطَّت بنا الطائرة في مطار كوالالمبور في تمام الساعة الواحدة والنصف بتوقيت ماليزيا؛ فما إن وصلتُ الفندق حتى بدأت بترتيب أوراقي لحضور المؤتمر، وإجراء اتصالاتي لعمل لقاءات مع المختصين بالفتوى وشؤونها.
فالتقينا في صباح اليوم التالي برئيس مجلس الافتاء الدكتور عبد الشكور، وكان لقاءً مثمراً؛ عرفنا من خلاله منهجية الإفتاء المتَّبعة في المجلس، ومواعيد اجتماعها، وطرق إصدار الفتاوي الرسمية المعتمدة، ولقد فاجأنا عند إجابته على سؤال وجهته إليه عن مدى اهتمامهم باللغة العربية؛ حيث أجابني قائلاً: ان هناك خطة للدولة لتعليم اللغة العربية للشعب؛ بحيث تكون نسبة من تعلم اللغة العربية عام 2015م يقارب 10% ، وشرح لنا الوسائل المتبعة لتطبيق هذه الخطة؛ حيث أدخل تعليم اللغة العربية من خلال تعليم القران للتلاميذ في المدارس.
وتناول الحوار أشياء أخري كثيرة لو شرحناها لطال بنا المقام؛ حيث كان الحديث مع فضيلته مثمراً جدًّا.
وفي يوم آخر كان اللقاء - في المؤتمر- مع كثير من المختصين والمعنيّين بما يسمى لديهم بــ (الحلال)؛ وهو مشروع يقوم على مراقبة أساليب الذبح ونوعية الذبائح ومشتقاتها ومدى شرعيتها، كما استمعنا من خلال المحاضرات لبعض الحقائق العلمية والاجتهادات الفقهية التي اتسمت بحُسن العرض والتقسيم حول المنتجات الغذائية التي تحتوي على مشتقات حيوانية، كما كانت هناك محاضرة قيمة للدكتور هاني المزيدي من معهد الكويت للأبحاث العلمية.
وفي وقت آخر توجهنا الى مدينة "برتاجيا" لزيارة مؤسسة "جاكيم"، و"جاكيم" هذه عبارة عن مؤسسة ضخمة أشبه ما تكون بوزارة الأوقاف، وما كان يهمنا في "جاكيم" في الحقيقة هو قسم الإفتاء على وجه الخصوص، لكن قبل الولوج في حيثيات الاجتماع لا بد وأن نتكلم عن "برتجايا" تلك المدينة اللاورقية، وهي عبارة عن مدينة حكومية لا يستخدم فيها الورق؛ فهي مدينة نموذجية حقيقية لما سيكون عليه العالم مستقبلاً؛ إنها مجموعة من المؤسسات الحكومية الإلكترونيه البحتة، وهذه من عجائب هذه الدولة، كما أن من عجائبها التكنولوجية والتي أثارت استغرابي فعلاً وتساءلت: هل هناك من الدول من حذى حذوها فيه؟ ألا وهي تغطيتها لشوارع كوالالمبور بشبكة الانترنت؛ فأنت إن زرت كوالالمبور لست بحاجة للبحث عن شركة لتشترك بخدمة النت، ولا أن تبحث عن أحد المجمعات التجارية للحصول على الخدمة؛ فالإنترنت متوفرة سواء كنت تتجول في أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة ماشياً، أو كنت في سيارة الأجرة، أو في الباص؛ فالخدمة مجانية للكل!
نرجع لاجتماعنا في "جاكيم" حيث كان في استقبالنا أعضاء الإفتاء، فأطلعونا أثناء الحوار معهم عن وسائلهم للاتصال بالجمهور، وكيفية الإجابة عن أسئلة المستفتين والطرق المتبعة في ذلك، كما قمنا نحن من جانبنا بشرح مختصر لعمل إدارة الإفتاء في دولة الكويت مما أثار إعجابهم، واعربوا عن تمنيهم زيارتها والاطلاع مباشرة على عمل هيئة الفتوى ولجانها، وزيارة وحدة البحث العلمي.
وختمت زيارتنا باتفاق مع مفتي "جاكيم"  بشكل ودِّي أن نقوم بالتعاون العلمي بين إدارة الإفتاء في دولة الكويت وبين الإفتاء في "جاكيم"، وإن كنا نتمنى أن يتكلل هذا الاتفاق مستقبلاً ببرتكول بين البلدين يصب في مصلحة الإفتاء والارتقاء بوسائله.
وإلى هنا انتهت مهمتنا الرسمية في هذا البلد الاستثنائي بين الدول الإسلامية، والتي نود أن تحذو حذوها في التطور العلمي والتقني.
وفي الحقيقة كانت مهمة مميّزة، ودولة تتسم بالإنجاز والإرتقاء بمؤسساتها للأفضل ؛ حيث تشعر بقيمة الوقت والعلم والعمل في كل ناحية تزورها.
بقلم /
تركي عيسى المطيري

مدير إدارة الإفتاء

الخميس، 19 يوليو 2018

مهلا يا قوافل السياح









ستنطلق قوافل السياح بعد أيام قلائل تجوب الأرض ، وتقلع أسراب الطائرات متجهة إلى أقاصي الأرض ، فمنهم من يبحث عن المناظر الخلابة والأجواء الساحرة ، ومنهم من يفتش عن الأخبار الغريبة والعلوم العجيبة ، ومنهم من يبحث في عادات الأمم وتقاليد الشعوب ، حاملين معهم الأموال الطائلة عازمين على إنفاق أوقاتهم النفيسة وأعمارهم العزيزة في أصقاع المعمورة .

ولن أجعل من مقالي هذا حجر عثرة في طريقهم ، بل أقول سيروا على بركة الله ما لم تغشو منكرا أو تقولوا زورا ، ولكنني أريد أن أقول لكم كلمة ، تنفعكم ولا تضركم ، وتزيدكم ولا تنقصكم ، وتسركم ولا تحزنكم ، فيا ليتني أجد أذنا صاغية وقلبا واع لما أقول.

إن السياحة ليست مشروعا طرأ على الأمم من غير نظير سابق ، وليست اختراعا لم يعرف إلا في عصرنا ، بل هو قديم قدم وجود الإنسان على الأرض ، مذ رحلة آدم في بحثه عن حواء ، ولكنها ذات وجوه فمنها السياحة للمتعة وهناك السياحة الطبية وهناك السياحة الاقتصادية وكذلك السياحة الاستكشافية العلمية ...الخ

ففي الإسلام كانت السياحة الاقتصادية - والتي كان يقوم بها تجار المسلمين والاستكشافية والتي كان يقوم بها جغرافيهم ومؤرخيهم - أبرز أنواع الأسفار في عصرهم.

كما أن السياحة الترفيهية والاستكشافية أبرز أنواع السياحة في هذا العصر ، لكن للأسف أن النتائج هناك ليست كالنتائج هنا ، فؤلائك حرصوا أن يكونوا رسلا للإسلام حاملين همّ نشره بين الأمم ليخرجوهم من ظلمات الشرك والإلحاد إلى نور الإسلام ، متمثلين بقوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ).

 فهل تعلمون ماذا كانت نتائج سياحتهم وأسفارهم في أنحاء المعمورة ؟

 بأن الله أعطاهم بغيتهم فبارك الله لهم في مقصدهم الدنيوي وأغناهم من فضله ، ولكن العظمة كل العظمة بأنهم لم يكونوا صناع مال فحسب بل صناع حياة ، نعم لقد وهب الله الحياة الأبدية لأمم الأرض على أيديهم ، فهذه اندونيسيا أكبر دولة إسلامية من حيث السكان ما كانت لولاهم ، بل جنوب آسيا وعِدَّ من الدول فيها ما شئت ، وهذه أفريقيا لا سيما جنوبها كالزنجبار وساحل العاج وغيرهما كثير فهل تعتقد أخي القارئ أن هذه الشعوب لولا جهود هؤلاء في الدعوة - بفضل من الله عز وجل- كان لهم حظ من الإسلام ، هل تعتقد أن المسلمين آنذاك عقدوا الاجتماعات المطولة ، وعملوا ورش عمل لدعوة سكان هذه الدول أم إنه الدافع الإيماني لدى عامة المسلمين والذي دفع بأفرادهم بأن يقوموا جماعات وفرادى بإنقاذ البشرية من أوحال الكفر والضلال .

ألا ترغب أخي الحبيب - وكذلك أنت أختي الفاضلة - أن تكون من صناع الأمم والحضارات ، ألا توجد بين خلجات نفسك تلك الجذوة الإيمانية التي لو نفخت فيها قليلا لأضاءت دروب البشرية ؟

اعلم أن القصر الشامخ ، والصرح العظيم ، والسد المنيع ، إنما يبدأ بنيانه بتلك الطوبة الصغيرة التي يضعها العامل على الأرض مؤذنا بها بداية العمل ، ألا تود أن تكون صاحب تلك الطوبة حتى تغمر نفسك ببحور الحسنات؟ 

ألم يقل نبيك صلى الله عليه وسلم (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا) ؟

ألا تريد أن تغسل حياتك من الذنوب المتراكمة والخطايا المتزاحمة بفيض من النور الذي وعدنا الله به على الصراط (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ؟ .

فيا أحبتي السياح إليكم ما جادت به نفسي من أفكار دعوية تكون من خلالها سائحا مسلما جامع بين رضى ربك ورضى نفسك ، بين الواجب الديني والنصيب الترفيهي فترجع من سفرك محملا بحسنات الأعمال لا أوزارها ، والدرجات العلى لابدركات الهاوية ، فأقول :

1- كن سفيرا لدينك قبل أن تكون سفيرا لبلدك ، فكثير من السياح يحرصون على سمعة بلدهم فتجدهم يتجنبون كثيرا من الأخلاق والسلوكيات حتى لايلصقوا ببلدهم صفة سيئة وهذا جيد بلا شك ، لكن الواجب على السائح أن يكون - مع ذلك - سفيرا لدينه، سفيرا للإسلام ، بأن يوضح للآخرين بأن ما يقوم به هو واجب شرعي قبل أن يكون التزام وطني .

2- احرص أن يكون معك بعض الكتيبات أو المطويات بلغة البلد التي تزمع السفر لها ، لتيسر لك سبيل الدعوة وتكسر حاجز اللغة والذي قد يعيقك في الدعوة.
 ليس بالضرورة أن تكون كتب أو مطويات مطبوعة بل يكفي أن تكون على جهازك النقال ليسهل نشرها لمن تواجهه من الناس.

3- حادثة مهمٌ ذكرها ، الـIPC لجنة للتعريف بالإسلام في الكويت ، لاحظت في إحدى العطل الصيفية بأن هناك إقبال شديد على موقعها من احد الدول الأوربية وهي بريطانيا ، وبعد التتبع وجدت أن السبب أن هناك فتاة لم يتجاوز عمرها الأربعة عشر ، قامت بوضع لافتة عليها عنوان سايدIPC ، فتارة تجول في الهايد بارك وتارة في الأسواق وتارة ...الخ مما لفت أنظار المارة فضلا على أنها كانت توزع العنوان على من ترى في الأماكن التي تجوبها مما دفع الفضول بالناس للدخول على هذا الموقع ! أفلا ترون أنها طريقة مجدية في الدعوة .

4- ما الذي يمنع من أن تجلس مع صاحب التاكسي والذي استأجرت سيارته طوال اليوم أو النادل في الفندق أو الذي يجلس بجانبك في ذلك القارب وأنت في رحلة بحرية ، أو تغدو على ذلك الرجل والذي جلس بمفرده يستمتع بالمناظر الجميلة على قمة جبل فتضيفه بكأس من عصير ليكون مفتاح الحوار بينكما ، أو تدعو مجموعة السياح للصلاة إن حان وقتها لاسيما إن كنت في بلد مسلم ، فتذهب لذلك الغربي الذي أخذ يلتقط لكم الصور وأنتم في صلاتكم لتشكره ! وتبين له معنى الصلاة في دينك .

5- أن تلجأ لله بالدعاء بأن تكون مفتاح خير على هذه الأمة وداعية هدى ومبلغ للرسالة التي اصطفانا بها الله تعالى وجعلنا أمة وسطا ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (أن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه ، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه) فمن عزم على الخير وهداية الناس لاشك بأن مفاتيح الخير على يديه بعون من الله تعالى .

والآن فلتنطلق ركائبكم بحفظ ربكم، وأسأل الله الباري أن يحفظكم في حلكم وترحالكم، وترجعون لدياركم سالمين غانمين من خيري الدنيا والآخرة.

بقلم : تركي العبدلي